تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
لقد كان منهج القدماء إما اغفال الداخل تماما بالترجيح بين الروايات فقط ، أو اغفال الخارج تماما بالاعتماد على تحليل شكلي للغة النص أدى إلى ما وقع فيه المتكلمون من أخطاء حين اعتمدوا في « تأويلهم » للنص على مفهوم تحليلي واحد هو « المجاز » ، وهو مفهوم تحول بدوره إلى مفهوم « أيديولوجي » . لكن منهج الترجيح بين الروايات أدى إلى ذات الافتراضات الذهنية التي سبق لنا أن ناقشناها في « المكي والمدني » . وقد وضع علماء القرآن المعايير التالية لاكتشاف « أسباب النزول » من خلال المرويات وذلك بالإضافة إلى المعايير التي سبق أن ناقشناها . 1 - إذا اختلفت الروايتان وكانت إحداهما أصح من الأخرى فالمعتمد هو الرواية الصحيحة . 2 - إذا استوى اسناد الروايتين في الصحة فيرجح إحداهما أن يكون الراوي حاضرا القصة أو نحو ذلك من وجوه الترجيحات . والمثال الذي يطرحه العلماء لهذا النمط هو خلاف رواية ابن مسعود عن رواية ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى :
« وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا »
. وقد سبقت لنا مناقشة هذا المثال في المكي والمدني وبيّنا هناك أن الصحيح ليس رواية ابن مسعود رغم أنه - حسب روايته - حضر نزول الوحي بالآيات . وهو أمر أدى إلى افتراض نزول الآية مرتين : مرة في مكة ومرة في المدينة . 3 - إذا تعذر الترجيح بين الروايتين فان الحل هو افتراض تعدد نزول الآية عقب السببين أو الأسباب المذكورة ، وهذا الافتراض يؤدي بنا إلى مناقشة تعدد نزول الآية الواحدة عند الأسباب المتعددة ، ويؤدي بنا أيضا إلى مناقشة وجهه المنطقي الآخر وهو نزول آيات مختلفة عند سبب واحد .

5 - تكرار نزول الآية ، وتعدد الآيات عند السبب الواحد

كان من شأن منهج الترجيح بين الروايات أن ينتهي إلى ما انتهى اليه في قضايا المكي والمدني من الدخول في افتراضات ذهنية هدفها وغايتها الجمع بين الآراء والروايات لصدورها عن أشخاص أضفيت عليهم بعض أوصاف القداسة ، سواء كانوا من الصحابة أم كانوا من التابعين . لقد انتهى الموقف بمتأخري العلماء إلى محاولة جمع البيض كله في سلة واحدة دون فحص أو تحقيق . مثال ذلك : ما أخرجه الشيخان عن المسيّب قال : لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد اللّه بن أبي أمية فقال : أي عمّ قل لا إله إلا اللّه أحاجّ لك بها عند