يعاصروا الوحي وماتوا على جاهليتهم . وإذا كان النبي قال حين سئل عن زيد بن عمرو بن نفيل « انه يبعث أمة وحده » اكبارا لاعتزاله لعادات قومه ومعاداته لدينهم ومعتقداتهم رغم أنه مات قبل أن يتحول إلى الإسلام ، فان اطلاق صفة المشركين على السيدة آمنة التي ماتت قبل البعثة من شأنه أن يجرح مشاعر النبي . والأهم من ذلك والأخطر أنه وصف يترتب عليه وعيد وعذاب لا يرى الفقهاء أنه واقع على من ماتوا قبل البعثة . لذلك لا بد من رفض هذه الرواية بوصفها سببا لنزول الآية .
لقد كان على علماء القرآن بدلا من الجمع بين الروايات المختلفة والمتناقضة أحيانا - بافتراض تعدد نزول الآية - أن يفصلوا بين كون الآية نزلت عند هذه الواقعة وبين كونها نزلت قبل ذلك عند سبب آخر ، ثم حدثت واقعة مشابهة استدعت « تلاوتها » ، ولا تكون التلاوة عند واقعة مشابهة نزولا وإلا دخلنا في مفهوم المتصوفة عن « النزول » المتكرر للآيات على قدر القارئ وعلى حالته . وقد كان هذا الفارق معروفا للعلماء لكنهم لم يطبقوه دائما ، بل اكتفوا بالإشارة إليه قائلين :
قد يكون في احدى القصتين « فتلا فيهم الراوي » فيقول : نزل . مثاله ما أخرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس قال : مرّ يهودي بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع اللّه السماوات على ذه والأرضين على ذه والماء على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه ، فأنزل اللّه :
( وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ )
الآية . والحديث في الصحيح بلفظ « فتلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم » وهو الصواب فإن الآية مكية « 1 » .
وما دام العلماء قد افترضوا تكرار نزول الآيات في مناسبات ووقائع مختلفة ، فقد كان من الطبيعي استكمال الوجه الآخر المنطقي لهذا الافتراض ، وذلك بافتراض أن ينزل في المناسبة الواحدة والواقعة المعيّنة عدة آيات . إن الافتراض الأول يؤدي هنا إلى مقابله المنطقي وذلك ما يعبر عنه السيوطي قائلا :
عكس ما تقدم أن يذكر سبب واحد في نزول الآيات المتفرقة ولا اشكال في ذلك ، فقد ينزل في الواقعة الواحدة آيات عديدة في سور شتى . مثاله ما أخرجه الترمذي والحاكم عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول اللّه لا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء ، فأنزل اللّه
( فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ )
إلى آخر الآية . وأخرج الحاكم عنها أيضا قالت : قلت يا رسول اللّه تذكر الرجال ولا تذكر النساء فأنزلت
( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ )
وأنزلت
( أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى )
وأخرج أيضا عنها قالت : تغزوا الرجال ولا تغزوا
هامش
( 1 ) انظر السيرة النبوية ، الجزء الأول ، ص 237 - 240 ، وص 258 - 260 .