تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
النساء وانما لنا نصف الميراث ، فأنزل اللّه
( لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ )
وأنزل
( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ )
« 1 » . ولا شك أن تعدد هذه الروايات بصيغ مختلفة عن أم سلمة في مناسبات مختلفة - ان صح - لا يمثل مناسبة واحدة ، أو سؤالا واحدا . والحقيقة أن اسناد هذه الروايات كلها إلى أم سلمة يصورها لحسّنا المعاصر وكأنها كانت تدافع طول الوقت عن « قضية المرأة » في هذا المجتمع . وغالب الظن أن السؤال ربما يكون قد وقع مرة ، إذ أن استخدام القرآن كلمة « رجال » لا يعني دائما « الذكور » بل قد يشير إلى الذكور والإناث معا على التغليب . وإذا كنا في قواعد اللغة نغلّب جمع الذكور على جمع الإناث في حالة وجود « ذكر واحد » في المشار إليهم ، فمن الطبيعي أن يشير القرآن في كثير من المواضع للجنسين بكلمة « الرجال » . وهذا أمر طبيعي في ثقافة « رجولية » ان صحت العبارة ، أي في ثقافة تتبع المرأة فيها الرجل وتكون جزءا منه غير مستقل بذاته . لكن القرآن يفرق عند تخصيص الأحكام بين الرجال والنساء . ليس ثمة اذن تعدد للنصوص حول واقعة واحدة ، وعلينا أن نبحث أيّ هذه الآيات نزل أولا ، أي علينا أن نرتب الآيات طبقا لنزولها . لقد كان ثم سؤال واحد من أم سلمة ، ثم كانت استجابة الوحي لهذا السؤال استجابة دائمة حرصا على ذكر الجنسين بألفاظهما الخاصة . إن افتراض تعدد النصوص استجابة لواقعة واحدة - مثله مثل افتراض تكرار نزول الآية الواحدة أو الآيات عند أسباب ووقائع مختلفة ، يؤدي - كما سبقت الإشارة - إلى الفصل بين النص ودلالته ، ويؤدي من ثم إلى القضاء على مفهوم النص ذاته . وإذا كانت علاقة النصوص بالواقع جزءا أصيلا من مفهوم النص ، فان قضية الناسخ والمنسوخ - موضوع الفصل التالي - تضع الخطوط واللمسات الأخيرة في تأكيد هذا الارتباط الضروري بين النص والواقع ، ومن ثم بين الاسلام وحركة المجتمع .
هامش
( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 34 .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 115 | نصر حامد أبو زيد