سهلة متاحة . فقد نجد روايات متعددة تطرح أسبابا مختلفة لنزول آية بعينها . وقد سبق لنا في مكان آخر مناقشة خلافات المفسرين حول سبب نزول الآية السابعة من سورة « آل عمران » ، وما استتبع هذا الخلاف من تحديد متشابهات القرآن « 1 » ويمكن لنا القول إن عدم تحديد أسباب النزول تحديدا دقيقا ، وبالأخرى عدم الاهتمام بهذا التحديد ، كان أحد أسباب الاضطراب الذي وقع فيه كثير من المفسرين وعلماء الفرق الدينية إزاء نصوص من القرآن ظنوا أنها تعارض نصوصا أخرى خاصة في مجال « حرية الإرادة الانسانية » .
ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن سبب النزول أحيانا ما يمكّن المفسر من القراءة الصحيحة للنص ومن ثم يجعله مقاربا لاكتشاف الدلالة . وليس المقصود بالقراءة الصحيحة تصحيح النص ، بل المقصود التوجيه الصحيح لدلالة الألفاظ والعبارات . ونستشهد هنا بقراءة أبي عبيدة - التي سبق لنا التعرض لها - لقوله تعالى :
« وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً »
فقد قرأ الفعل « أمرنا » على توجيه أنه على صيغة ( أفعل ) من أمر بكسر الميم بمعنى زاد ، وذلك ليتحاشى أن اللّه يأمر بالقبائح ، أي ليتحاشى ظاهر النص « 2 » . وكان العلم بأسباب النزول هنا يمكن أن يتباعد به عن هذه القراءة ، فمن الواضح من سياق الآية أنها وردت مورد التهديد ، وذكر « القرية » فيها يشير إلى تهديد أهل مكة . وسياق التهديد يستلزم هذا الجزم والتأكيد على القدرة . وليس وراء الآية طرح لمشكلة فلسفية هي مشكلة الجبر والاختيار .
ولكن ما ذا نفعل حين لا نستطيع تحديد أسباب النزول تحديدا حاسما جازما ؟ في الإجابة عن هذا السؤال وقع علماء القرآن أيضا في مشكلة كيفية الترجيح بين الروايات المختلفة ، ووضعوا مجموعة من المعايير والشروط . والعلة وراء ذلك أنهم تصوروا أن العلم بأسباب النزول لا سبيل اليه إلا بالنقل والرواية ولا مجال فيه للاجتهاد والاستنباط ، وبذلك حصروا مجال الاستنباط والاجتهاد في مقابلة الروايات والترجيح بينها . ذهب الواحدي إلى أنه :
لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممّن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها . . . وقال غيره معرفة أسباب النزول أمر يحصل للصحابة بقرائن تحتفّ بالقضايا وربما لم يجزم بعضهم فقال : أحسب هذه الآية نزلت في كذا . . . وقال الحاكم في علوم الحديث : إذا أخبر الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا فإنه حديث مسند ، ومشى على هذا ابن الصلاح وغيره « 3 » .
هامش
( 1 ) انظر : الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 141 - 145 .
( 2 ) انظر : الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 155 - 156 .
( 3 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 31 .