نزلت . وقال أيوب : سأل رجل عكرمة عن آية من القرآن ، فقال : نزلت في سفح ذلك الجبل وأشار إلى سلع « 1 » .
فلكي نفهم قول ابن مسعود علينا أن نبحث عن « السبب » أو « القرينة » التي احتفت بقوله هذا وتأكيده القاطع الجازم أنه يعلم أسباب النزول وأماكنه لجميع آيات القرآن . وإذا كان العلماء قد أعطوا أولوية مطلقة لمرويات الصحابة خاصة إذا ورد فيها ذكر السبب واضحا دون ذكر الحكم أو الدلالة ، فإنهم اعتبروا مثل هذا النمط من المرويات من مرتبة الأحاديث المسندة . وما ورد عن التابعي فهو بمثابة الحديث المرفوع يقبل إذا صحّ المسند اليه وكان من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير . وهكذا صار معيار تحديد « سبب النزول » الثقة بالرواة ، وأدخلت مرويات أسباب النزول منطقة الأحاديث النبوية وذلك دون ادراك لمعضلات النقل والرواية ودوافعها . وإذا أضفنا إلى ذلك أن عصر التابعين كان عصر الخلافات السياسية والفكرية أدركنا أن تحديد « أهل الثقة » من الرواة ثم على أساس « أيديولوجي » انتهى إلى اعطاء سلطة دينية مطلقة في مجال هذه المرويات لبعض التابعين دون بعض .
إن منهج القدماء في الترجيح بين الروايات من الصعب - كما رأينا في مناقشة قضايا المكي والمدني - أن يؤدي بنا إلى تحقيق سبب النزول على سبيل القطع . وتظل معرفة « أسباب النزول » مسألة اجتهادية . وعلى ذلك لا بد أن يتمتع الباحث المعاصر بحق الاجتهاد والترجيح بين الروايات المختلفة بطرائق أكثر أهمية ، وذلك استنادا إلى مجمل العناصر والدوال الخارجية والداخلية المكونة للنص . إن « أسباب النزول » ليست سوى السياق الاجتماعي للنصوص ، وهذه الأسباب كما يمكن الوصول إليها من خارج النص يمكن كذلك الوصول إليها من داخل النص ، سواء في بنيته الخاصة ، أم في علاقته بالأجزاء الأخرى من النص العام . ولقد كانت معضلة القدماء أنهم لم يجدوا وسيلة للوصول إلى « أسباب النزول » إلا الاستناد إلى الواقع الخارجي والترجيح بين المرويات ، ولم يتنبّهوا إلى أن في النص دائما دوال يمكن أن يكشف تحليلها عن ما هو خارج النص ، ومن ثم يمكن اكتشاف « أسباب النزول » من داخل النص ، كما يمكن اكتشاف دلالة النص بمعرفة سياقة الخارجي . إن تحليل النصوص واكتشاف دلالتها عملية معقدة لا يجب أن تسير في اتجاه واحد من الخارج إلى الداخل ، أو من الداخل إلى الخارج ، بل يجب أن تسير في حركة « مكوكية » سريعة بين الداخل والخارج .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : الجزء الأول ، ص 9 .