تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
« الناس » في كل لفظ من هذه الألفاظ بحيث يكون القائلون غير المخاطبين غير الغائبين ، وهي مستويات الضمائر في منطوق الآية . ان الألف واللام في كلمتي « الناس » ألف ولام الجنس ، ولكنها ألف ولام العهد التي لا تنكشف إلا بالعودة إلى أسباب النزول . ومعنى ذلك أن دلالة النص تتكشف من خلال تحليل بنائه اللغوي أولا ومن خلال العودة إلى سياق انتاجه ثانيا ، وأن اهدار أحد الجانبين يعوق المفسر عن اكتشاف الدلالة والمعنى . إن التركيز على التركيب اللغوي دون اعتبار للسياق الثقافي يدخلنا في متاهات من التحليلات المغلقة ، والتركيز على السياق دون اعتبار لبناء النص وتركيبه يعيدنا إلى مفهوم « المحاكاة » . وعلى ذلك لا تفهم الآية السابقة إلا بعيدا عن ثنائية العموم والخصوص ذلك أن عموم اللفظ : يقتضي دخول جميع الناس في اللفظين جميعا ، والمراد بعضهم لأن القائلين غير المقول لهم ، والمراد بالأول نعيم بن سعيد الثقفي ، والثاني أبو سفيان وأصحابه . قال الفارسي : ومما يقوي أن المراد بالناس في قوله :
( إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ )
واحد قوله :
( إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ )
فوقعت الإشارة بقول ( ذلكم ) إلى واحد بعينه . . . فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ « 1 » . وليس معنى أن « أسباب النزول » هامة وأساسية لاكتشاف المعنى والدلالة أن تظل حدود الدلالة واقفة عند المستوى الاشاري الخالص للواقعة الجزئية الخاصة ، ففي مثل هذا القصور ما فيه من اهدار لكون اللغة والنصوص من ثم لها آلياتها الخاصة في التعبير عن الواقع والثقافة . وإذا كنا هنا حاولنا أن نؤكد على بعد « الخصوصية » الذي تكشف عنه في دلالة النصوص « أسباب النزول » فذلك لأن الاتجاه الغالب في الفكر الديني اهدار هذا البعد لحساب بعد « عموم اللفظ » . هذا بالإضافة إلى أننا في الباب التالي سنناقش قضية العموم من زاوية انتاج الدلالة في النصوص . إن دلالة النصوص ليست إلا محصلة لعملية التفاعل في عملية تشكيل النصوص وصنعها من جانبي اللغة والواقع ، وكلا الجانبين هام لاكتشاف دلالة النصوص . وإذا كانت « أسباب النزول » على هذه الدرجة من الأهمية ، فما معيار تحديد أن هذه الواقعة أو تلك هي « سبب نزول » نص بعينه ، خاصة إذا تضاربت الروايات ، وتعدد فيها ذكر « وقائع » مختلفة ومتباعدة بوصفها سبب نزول نص بعينه .

4 - تحديد سبب النزول

ورغم أن « أسباب النزول » على هذه الدرجة من الأهمية لاكتشاف دلالة النص فان معرفة سبب نزول كثير من نصوص القرآن على سبيل القطع واليقين ليست دائما مسألة
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 220 .