تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مداخل جديدة للتفسير — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
القصد لا يتحقق من الكلمة المفردة ، بل من دمج الكلمة في سياق تعبيري ، وبذلك تؤدي دورها القصدي ، ثم يتطور ابن فارس في فلسفته اللغوية ليقول أن المعنى هو التفسير ، أي الشرح والإظهار ، بيان ما خفي وستر ، وبذلك يعطي ابن فارس أفقا جديدا للمعنى ، أفق إجرائي كشفي وهو ليس الموضوع الذي نحن بصدده ، ولكن الرجل يبلغ الذروة عندما يرى أن المعنى هو التأويل ! التأويل هو آخر الأمر وعاقبته . . . هذا هو تصور ابن فارس ، وبذلك يكون قد أدخلنا في عالم جديد ، فالمعنى إذن معاناة ، أو يتطلب معاناة ، ليس هو الأشياء في الخارج ، وإذا كان هو الصورة الذهنية للشيء فهي صورة معقدة جدا ، صورة تبحر في تيار الحياة والتاريخ ، تتمخض عن التجربة البشرية بكل ملابساتها ، وليس صورة ساذجة تلتقط الأشياء كما هي الكامرة ، ومن الواضح إن ابن فارس يريد إنقاذ المعنى من المحاولات الحرفية ، ليدخل في ملحمة التاريخ ، وأعتقد أن الرجل في هذه القفزة يفترض مسبقا ضرورة السياق ؛ لأن لا تأويل بلا سياق ، أن المعنى هنا يتطلب عملا استقصائيا شاملا ، وهذا لا يأتي من فراغ أو حضور الكلمة بنفسها كالرمح الشاخص ، بل من وجودها في مشروع ، من حضورها في حالة تلبس علائقي ، في حالة وصال محموم ، وإلا كيف يكون التأويل ؟ المحاولة تؤسس لتعدد القراءات على أي حال ، لأن التأويل في سياق نظرية ابن فارس ، آخر الامر وعاقبته ، ولا أعتقد أن النهايات هذه مختومة بنقطة مستقرة ، بل هي خاضعة لاجتهاد النظر المتصل بهوية الزمان والمكان والثقافة والظروف ، ابن فارس لا يرسي عاقبة الأمر بالاعتماد على موقع الكلمة من متن القاموس بل على تحولات الكلمة في سياق علائقي مستمر ، نظام من التحولات بمرور الوقت وفي سياق الاستعمالات المتجددة . وهناك محاولة تقفز بالمعنى شوطا أبعد ، المعنى يشير إلى كل الآثار والمستحقات التي تترتب على الكلمة ، كل الأجواء التي يخلقها اللفظ ، هذه
مداخل جديدة للتفسير — صفحة 283 | غالب حسن