التصور ، أقصد أسبقية الحكم على الكلمة المفردة .
هذه المحاولة توحي بأن الفكر عملية تسري مع الكلام ، هناك توأمية بين العالمين ، يسيران معا ضمن علاقة متواشجة إلى حد الزواج الأزلي ، ثورة على الدقة المدعاة ، الكلمة بوجودها الفيزيقي مجرد هباء ، مجرد خواء ، تنتظر الاستعمال ، عذراء ، متلهفة إلى الوصال الذي يثبت وجودها المتحيز .
لا يريد أصحاب هذه المحاولة القول بأن الاستعمال أداة تصحيح أو أداة تقييم للكلمة أو أداة توثيق دلالي ، بل يقولون إن المعنى مشتق من الاستعمال .
ولكن هل الاستعمال ينفي وجود صورة مسبقة للكلمة ؟ هنا محل الامتحان الحاد لهذه المحاولة ، ان الاستعمال لا ينفي ذلك أبدا ، بل كيف يجوز لي استعمال كلمة دون غيرها إذا لم تكن هناك صورة مسبقة للكلمة في ذهني أو خبرتي ؟ وفي الحقيقة إن الصور الذهنية في اعتقادي أكثر من كونها فكرة منقوشة على صفحات هذا الذهن ، بل هي خبرة كبيرة مزدحمة بالحياة والوقائع ، خبرة مبثوثة في كل الكيان البشري ، في كل بنيته الشعورية ، ولهذا لا تتقوم بالفكر فقط ، بل بسيل من الوحدات السلوكية المتنوعة ، وليس هنا مجال الإفاضة في هذه النقطة الحساسة .
إن الاستعمال يتفاعل مع صورة مسبقة كانت قد استقرت بشكل من الأشكال في خبرتي النفسية ، في ذاتي بكل جدها وعبثها ، بكل حزنها وفرحها ، بكل إحباطاتها وطموحاتها . . وكل هذا يرسي قانون مرونة اللغة ، وبالتالي يرسي مجال التأويلية في رحاب أوسع .
وهنا ننتقل إلى محاولة أخرى بطلها الفكر العربي الاسلامي ، وقد مثلها في القمة ابن فارس ، هذا العالم اللغوي بامتياز ، يرى هذا الرجل أن المعنى هو القصد ؛ لأن المعنى مشتق من عنيت ، أي قصدت وعمدت ، ولكن هذا التصور يستبطن بصورة غير مباشرة الإقرار بنظرية الاستعمال ، ولو بشكل عام ؛ لأن
مداخل جديدة للتفسير — صفحة 282
مساهمون: غالب حسن
ص٢٨٢