في الذهن التصوري تتباين رغم الحروف الواحدة والشكل المتطابق والمعنى القاموسي الذي لا يتحرك من مكانه .
ليست التصورات المختلفة وحدها تعني معاني مختلفة ، بل التصور الواحد يعاني من تصدع في بنيته من مدرك لآخر ، من جيل إلى جيل ، من حالة نفسية لغيرها . بل هذا التصدع يلعب دور التنويع في داخل التصور الواحد بالنسبة للشخص الواحد ! لقد أراد بعض رواد هذه المحاولة أن يضبطوا الفكر ، أن يتمسكوا بالثابت ، أن يحافظوا على نسقية العقل المطردة الهادئة الوقورة ، أن يقدموا المطلق وكأنه حاكم قبلي مهيب ، ولكن فاتهم أن الذهن البشري ليس استجابة واحدة من تجربة إلى أخرى . . . بقي أن نقول أن عبد القاهر الجرجاني كان سباقا إلى إرساء هذه المحاولة ، لأن المعاني - في رأيه - هي الصور الذهنية التي توضع لها ألفاظ مناظرة ، وبالتالي يمكن أن نقوم بعملية معاكسة ، حيث يكون معنى الكلمة صورتها الذهنية .
هنا تبرز محاولة جديدة ، تعتبر في رأي أغنى من سابقتها ، إن معنى الكلمة يكمن في استخدامها ! معنى الكلمة مستل من استخدامها وليس من القاموس ، وما ينتقش في الذهن لا يتأتى من الكلمة بالطريقة الميكانيكية التي أشارت إليها المحاولة السابقة ، بل الاستعمال هو الذي يرسم هذه الصورة ، هو الذي يحدد ملامحها ، هو الذي يدع الذهن مستعدا لتلقيها . وبهذا تكون هذه المحاولة قد أنقذت اللغة من الجمود ، من الرتابة ، وأشارت إلى قدرتها على اللعب والنزق ، قدرتها على الاتساع بمقدار ما يتسع الوجود ، قابليتها على الانبساط والانقباض ، عروس تعرف كيف تخلق فرصة تحريك العريس الغفل ، المحاولة تعطي للسياق بطبيعة الحال موقعه من العملية الفكرية واللغوية ، وربما تؤدي إلى أولوية التصديق على
مداخل جديدة للتفسير — صفحة 281
مساهمون: غالب حسن
ص٢٨١