صلاحية النقد والتنفيد ، هذا وهم وخطأ ، بل التأويلية لا تعدو تقدير وتثمين التجارب البشرية في فهم النص القرآني ، وهي تجارب غير مطلقة ، يمكن تفكيكها ونقدها ، بل هناك مجال واسع للبرهنة والاستدلال ، فالتأويلية تستبطن سجالا ونقاشا وحوارا ، وقد تسقط قراءة أمام الامتحان ، فيما تصمد قراءة أخرى ، والتأويلية تحترم أدوات التحليل اللغوي المعروفة ، مثل المجاز بكل أطيافه واشكاله ونظرية السياق والمقام وغيرها .
إن النقطة الجوهرية في التأويلية هو القول بتعدد القراءات ، وليس بفوضى القراءات ، وهذا واقع ساري في الكتب المقدسة ، وإلا هل يمكن ان ننكر ان هناك تفسيرا صوفيا وعرفانيا وفلسفيا ولغويا . . إضافة لذلك هناك توكيد تأويلي على أن كل قراءة هي صحيحة ما دامت تستند إلى مجمل آليات معتبرة وسائدة ، وفي مقدمتها آليات فهم الخطاب . . . هذا ما أفصح عنه مجتهد شبستري بوضوح في حديثه للمجلة .
لم تكن الأسباب السياسية والاجتماعية فقط وراء نشوء المدارس الاسلامية الكلامية المختلفة ، بل والمتناقضة بشكل كلي في بعض الأحيان ، بل هناك الأسباب اللغوية أيضا ، وبالتالي يدخل التأويل عنصرا مؤسسا لمنظومة من الاختلافات والتباينات المذهبية في تاريخ الفكر الاسلامي ، لا ننفي بطبيعة الحال الخلفية الفكرية وطبيعة التعاطي العقلي مع الأشياء ، ولكن اللغة كانت محل إثارة ناشطة ومحفزة ، وأحيانا أخرى تكون متكأ بنائيا في تشييد الأفكار ونحت التصورات ، بل السياسة كانت ماهرة في استغلال اللغة على طريق تكييف موافقها وسياستها وتأطيرها بالأطر الشرعية والعقائدية .
يشير الباحث المغربي عبد المجيد الصغير في بحثه ( إشكالية المصطلح اللغوي في الخلاف الكلامي ) في العدد 19 من قضايا اسلامية معاصرة إلى أن من أسباب الاختلافات الكلامية لدى المسلمين ، هو عدم الاتفاق على تحديد
مداخل جديدة للتفسير — صفحة 265
مساهمون: غالب حسن
ص٢٦٥