كما يتصور البعض ، بل جاء من دراسة التاريخ دراسة عميقة وأكبت مساره التقلبي الهائل ، إضافة إلى إنها استفادت من إنجازات ضخمة على صعيد الفلسفة والتاريخ واللسانيات نتعرض إلى بعض ملامحها قريبا .
التأويل هنا هو الفهم ، وفي بعض التصريحات هو فن الفهم ، أكثر من ذلك التأويل هو شرط الفهم ، ليس على صعيد النص فقط ، وإنما يمتد إلى كل الظواهر الاجتماعية ولكننا نركز على النص لأننا محصورون قهرا به .
ولكن ما هو المقصود من القراءات المتعددة ؟ ونحن نطرح هذا السؤال كي نسير بهدوء على خطى الانجاز المذكور بقصد استيعابه ؟
ببساطة جدا ، إن تعدد القراءات يشير إلى تنوع الفهم ، وقد يصل هذا التنوع إلى الاختلاف الجذري ، نتحدث بلغة مدرسية كي نستلهم المقصود بلا تعقيد ، وقد عبر السيد فضل اللّه عن ذلك بتعدد الاحتمالات أو تعدد وجهات النظر ، كما مثل لها محمد مجتهد شبستري في العدد 19 من مجلة قضايا اسلامية معاصرة بالقراءات اللاهوتية المشهورة للكتاب المقدس ، اللاهوت التاريخي واللاهوت الوجودي واللاهوت التحرري ، وفي التجربة الاسلامية شواهد غنية في هذا الصدد ، فهناك الفهم التاريخي للنص القرآني والفهم العرفاني والفهم الاجتماعي والفهم البلاغي ، وعليه إن القراءات المتعددة موجودة في التجربة الإسلامية ، ولكنها لم تكن على مستوى التنظير ، ولم تأخذ حظها من عناية البيان الذي من شأنه تأكيد أهميتها ، وإمضائها كضرورة لإنقاذ النص وتحريره من عبث الجمود ووهم احتكار الحقيقة ، وكان كل منحى من هذه المناحي تعبيرا عن تجربة شخصية ، متأثرة بالاختصاص والذوق ، ولم تنطلق من وجهة نظر شمولية عن التأويل بالذات ، ولم يقترن ذلك بتصور استمولوجي عن أهمية التأويل ومساحته وميادينه ، وقد اقترنت في كثير من الأحيان بمبدإ الحذف ، حذف الأخر ، تسقيطه وتكسيره وتكفيره ، فيما التأويلية الجديدة تقول أن كل قراءة صحيحة ، لأنها تملك دالتها ، وهو الأمر الذي سنبينه لاحقا .
مداخل جديدة للتفسير — صفحة 250
مساهمون: غالب حسن
ص٢٥٠