مفروغ منها وذلك من حيث المبدأ ، والمطلوب تصويب الفهم من حيث التطبيق ، متأثر بصرامة العلوم الطبيعية ودقتها المزعومة ، فالظاهرة الاجتماعية تماما كأختها الظاهرة الطبيعية ، تملك حقيقة موضوعية ، وبالتالي يمكن إخضاعها لمنهج دقيق ، والحقيقة تابعة للمنهج ، غاية ما هناك - وهذا فارق ليس بالهين - أن الظاهرة الطبيعية نتعاطاها في ضوء التفسير الذي هو الوصف وبيان الخصائص مسترشدين الأرقام والإحصاء والاستقراء والقياس حسب اجتهاد العالم الطبيعي وسلوكه العلمي ، فيما الظاهرة الاجتماعية نتعاطاها في ضوء الفهم ، ، فالحياة محيط ننغمس فيه جميعا ، نتواصل من خلال بحوره الكبيرة وأنهارها الممتدة ، الأمر الذي يتيح لنا التواصل المعرفي ، عبر هذه المشاركة المتشابكة ، وبالتالي ، فإن العلوم الاجتماعية من تاريخ وعلم نفس وغيرهما هي علوم تأويلية ، لأنها خاضعة للتجريب الوجداني الشخصي ، وفي غمار هذه التجربة يمكن أن نتعامل مع النصوص الأدبية والدينية ، أي بالاستناد إلى تجربة الحياة التي تجمع بين المؤلف والقارئ ، وهذا ما ركز عليه الرومانطيون في تذوق النص الأدبي ، أي الوعي والتبصر بالغاية والدوافع والآفاق . إن فهم النص في تصور دالتاي لا يتقوم باللغة وحسب ، وإنما يحتاج ذلك إلى مشاركة المرسل والتواصل معه روحيا . ، وهو بذلك يشارك الرومانطية التي تعلي من شأن المشاركة الوجدانية في تذوق الشعر والوصول إلى فلسفة النص الشعري ، ويتطرق خاطفا الأستاذ رضا داودي إلى هذا التصور الرومانتيكي لينقده انطلاقا من قبلية معرفية ناشئة من إيمانه الديني ، ف ( حتى على افتراض مشاركة المبدع في إبداعه ، فكيف يمكن أن نفهم باطن النصوص الدينية والمرامي العميقة في الملاحم والأساطير ؟ مع أن الأساطير لا تعود لمبدع محدد ، وأن الكتب السماوية لم تكن من صنع أي نابغة أو شاعر . . . ) والحقيقة أن هذا النقد نابع من الايمان باستقلالية الوحي وكونه من اللّه تعالى ، وليس من
مداخل جديدة للتفسير — صفحة 246
مساهمون: غالب حسن
ص٢٤٦