النص ، ومن هذه الدالات استعمال اللفظ في غير ما وضع له ، وهي المدخل الرسمي الفاصل في عملية التأويل بالأفق السلفي الشائع ، فيما ينطلق ابن رشد من دالة أخرى لممارسة عمله التأويلي ، هذه الدالة هي التوافق بين العوالم الثلاثة ، الشريعة والطريقة والحقيقة ، ولا أغالي إذا قلت أن ابن رشد كان يقرأ كي يكتشف نقطة تنافر بين هذه العوالم ، كي يجد فرصته للتأويل ، كي يجد متعته الفكرية بخلق أجواء المصالحة بين هذه الممكنات الكبيرة ، ولذا يرفض ابن رشد افشاء التأويل بين الأوساط العامة على حد تعبيره ، لأنه عمل فكري صعب ، يخلق الفتن ويكون مطمع الاستفادة والاستغلال ، ويؤكد ابن رشد على الجانب البرهاني في عملية التأويل ، اي تكييف النصوص الدينية للعقل إذا كان ثمة تناقض ظاهري ، وقراءة فصل المقال لابن رشد بدقة تكشف عن منهج تأويلي خاص ، يوظف فيه اللغة والعقل معا ، وموضوع التأويل هو القضية ، مثل التجسيد والحشر البدني وغيرهما ، ولم تتوفر دراسة - فيما أعلم - للكشف عن آليات التأويل الرشدي من جهة وموضوعاته من جهة أخرى ، لأن التمييز بين الآليات والموضوع في غاية الأهمية ، وكانت دراسة الأستاذ وليم سيدهم رائدة في هذا المجال ، ذات بعد تصنيفي تنظيري رائع ، ولكن تبقى نموذجا للبحث تنتظر الإضافة تلو الإضافة ، على أن هنا نقطة جديرة بالانتباه ، إن ابن رشد لم يلجأ إلى التأويل من تشابه اللفظ بل من عدم تطابق ظاهر العقيدة الدينية مع العقل ، أما لقصور باللفظ أو لقصور بالدليل ، والتشابه اللغوي في السياق لا أكثر ولا أقل ، لم تكن مهمته إنقاذ اللغة من الغموض بل إنقاذ العقيدة من اللبس والالتباس ، مراده التصور قبل التعبير ، يصحح اللغة عبر تصحيح الفكر ، الهم الذي يشغله هو التطابق بين العقيدة والحكمة وليس إسراء اللغة على جادة الوضوح ، مع حرصه الشديد على ضرورة عدم الإخلال بالنظام اللغوي العربي .
التأويل بالمعنى السلفي لغوي ، ينطلق من اللغة إلى اللغة ، يرجع إلى السليقة
مداخل جديدة للتفسير — صفحة 237
مساهمون: غالب حسن
ص٢٣٧