التأويل موضوع للعلم - إذن - كما نستفيده من ( يعلمك ، ولنعلمه ، كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتيهم تأويله ، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ، وعلمتني ) ، فهو في ضوء هذه الإشارات علم له قوانينه ونواميسه - وربما يكون على شكل كشف أو تعليم قوانين يطبقها النبي على المادة المؤولة ، ونستطيع أن نستظهر كلا الأمرين من فضاء الآيات الشريفة - ولما كان العلم في القرآن الكريم طبقات أو مراتب كما فصلت في كتابي ( نظرية العلم ) ، أي هو تعقل ونظر وفقه ودراية وخبرة ، يكون التأويل تبعا لذلك علما مراتبيا إذا صح التعبير ، أرقاه وأتمه ذاك الذي يكون بتعليم اللّه لأنبيائه الكرام ، وقد عبر عنه الكتاب العزيز ( بالنبإ ) ، لأن النبأ هو الخبر الصادق . وهذا دليل آخر على أن التأويل في القرآن مغامرة معرفية بعيدة الأغوار . ويصدق هذا الاستنتاج سواء كان التأويل على مستوى أبستمولجي أو على مستوى انطولوجي ، أي سواء كان جولة داخل النص في سياق قراءات متعددة ، أو باقتراح حقيقة خارجية له ، فان تعدد القراءات غناء معرفي بأي معنى كان التعدد ، تراتيبيا أو تلازميا أو وجهات نظر حسب رأي العلامة السيد فضل اللّه ، واقتراح موئل واقعي هو الأخر خاضع للتكثر .
الأمر الثاني
إن التأويل من أخطر آليات التشويش على الحق ، طريق ذو حدين ، إما أن يؤدي إلى التنوير والتحرير وإما إلى التضليل والزيغ ، وربما يمارس عملية تزييف كاملة ،
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ . .
وهذا يستدعي الحذر ونحن نمارس هذه العملية المعرفية الكبيرة ، إنها محاولة عميقة تحتاج إلى أدوات حادة نشطة ، وليست هي هواية عابرة أو عملية مزاجية ، وقد لاحظنا في حياتنا الفكرية ، أن التأويل كان مصدر دماء وحروب