تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مداخل جديدة للتفسير — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
تعتمد في قراءة النص قراءة جوانية متفعلة ، قراءة استكشافية ، تجلي المخفي ، وتكشف المؤجل ، تنقلنا إلى ما بعد المرئي ، وهو الغاية الكبيرة من النص ، هناك تكمن النوايا ، ومن هناك يمكن ان يحقق التحليل النفسي انتصاراته وكشوفاته الفذة . النص مؤسسة معقدة تحتشد في داخلها قوى وفواعل كثيرة ، وفحص السياق بدقة وإمعان يزود الذائقة الاستكشافية بمفاتيح الإذن المطلق ، الذي من شأنه السياحة الحرة في فضاء النص . الكتابة ومن خلال النص صناعة فنية ، وليست عملية خطية قوامها تنضيد الحروف والكلمات والجمل ، هي علم ، بدليل قوله تعالى
وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ
، وبالتالي ، الكتاب فنان ، يتميز عن غيره بحس دقيق وشعور خلاق وقدرة مبدعة ، إن الكاتب هنا ليس ألة تسجيل ، بل هو آلة فحص وملاحقة وكشف ، ( فليكتب كما علمه اللّه ) سواء كان متعلق العلم هو الكتابة ذاتها أم العدل ، فهو فاعل واع ، يملك من القدرات العلمية والفنية ، ما يجعله قادرا على تغيير المفاهيم وتحريف الحقائق ، وهو سبيل متين وشاهد حاضر على الدوام على الحقائق ، وهذه لا تتوفر لكل إنسان قادر على تنضيد الحروف وصف الكلمات ، لأنها قدرات تتصل بوعي الحياة وحركة الأيام وأهمية المستقبل . الكاتب من خلال السياق يملك خصوصية متميزة ، ومن هنا نرى النص يؤكد عليه بشكل ملفت للنظر ، بل إن مساحة الاهتمام بالكاتب تعادل مساحة توثيق الدين نفسه ، رغم إن توثيق الدين هو موضوع الآية ! الكتابة لا تخضع لاعتبارات نفسية ، وأهميتها من عالم الوجود ورسالة الحياة تدعو إلى تكييف الحياة النفسية لإرادة الكتابة ، فيحدو بالكاتب ان يقاوم كل نزعة ذاتية تقوده إلى الاستخفاف بهذه المهمة العظيمة ، لضئلة المكتوب ، هذا ما يوحي به قوله تعالى
وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً
.
مداخل جديدة للتفسير — صفحة 215 | غالب حسن