إن مراجعة كلام صاحب المفردات تكشف عن عنصر مهم في الكتابة ، ذلك هو النظم ، وهو نظم فكري قبل كل شئ ، ولا يمكن ان نفهم بعض استعمالات القرآن إلا من خلال هذا المنظور .
يقول تعالى
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ
.
لا يمكن أن ينصرف معنى الكتاب هنا إلى المتعارف ، ونحن نعلم إن القرآن لم ينزل على قلب الرسول الكريم على شكل أوراق ودفتر ، ولذا تنصرف المادة إلى هذا النظم الفكري من المفاهيم والأحكام والتصورات .
يقول تعالى
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا
.
إن تفصيل الكتاب تعبير عن الطرح الفكري الذي يشبع العقل ، ويجيب على الأسئلة الكونية التي تشغل الفكر الإنساني ، كذلك تلك المنظومة المتكاملة من القيم الخلقية والحضارية الناظمة لحياة الفرد والمجتمع .
يقول تعالى
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ
.
ما هو فضاء الكتاب المنير في هذا النص الشريف ؟
إن الفضاء الفكري هو أقرب من غيره للدلالة والإيحاء هنا ، فبعض الناس يجادل في اللّه بلا فكر مدعم بالدليل والقوة المنطقية التي تجعل منه فكرا مبررا ، ومن هنا موقع ( منير ) في النص الكريم .
في الحقيقة من الصعب صرف كلمة كتاب إلى هذا المتعارف ، أي الصحف والصحائف التي تضبط به طائفة من المعاني بقلم أو طابعة أو ما شابه من هذه الأدوات ، لأن هذا المعنى مستحدث ، ومن هنا يكون الفضاء المناسب هو منظومة الفكر .
وكيف لا تكون هذه المنظومة أولى من غيرها ، ونحن نعرف ان هذه المادة تتجاذب بآصرة في غاية القوة والمتانة مع فعل اللّه الذي لا يرد ولا يتخلف ، وبتشريعه الذي ارتضاه للإنسان ، وبوعده ووعيده ، فالكتابة لصيقة الفكر بصورة وأخرى .