أصالة الكلم / الفكر
يقول تعالى
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
.
قبل ان نتوغل في طبقات النص نضع ثلاث ملاحظات : - الأولى : الكلم مجموعة قضايا ومعادلات في العقيدة والحياة والسلوك ، فكر ، والمفسرون يتراوحون في بيان مصاديق هذا العنوان العريض ، من التوحيد إلى العلم إلى النصيحة . . . الامر الذي يؤكد سعة هذا العنوان ، وانه قابل للامتداد تبعا لامتداد الابداع الفكري ، والضابط هو الاستطابة ، ومن هنا لا بد ان نستوحي هذا المفهوم ، كي نتعامل مع أفق الكلم في الآية الشريفة بشيء من الدقة والموضوعية والشمولية ، وضابط الطيبة في المقام الذي نحن فيه - كما يذهب كثير من المفسرين هو المطابقة مع الواقع ، ومن الجلي ان نقطة الانطلاق في هذا التقدير والامضاء ليس الحالة النفسية والشهوية الجسمية ، بقدر ما هي الاطمئنان العقلي والاتساق الفكري ، واعتقد هذا جيد ، كما أنه يوفر أرضية واسعة لمفهوم الكلم الطيب ، يتعدى القضايا الدينية والشرعية ، ليشمل علوم الحياة ، بصرف النظر عن هويتها ، مادية أم روحية ، طبيعية أم إنسانية ، فالتوحيد كلمة طيبة كما أن بديهيات أقليدس كلمات طيبات ، وما اصابه كارل ماركس من فكر لا يشذ عن دائرة الكلم الطيب أيضا . ولكن هنا إضافة مهمة ، ترى ما ذا نقول عن الكلم الذي لا ينطوي على خبر ، بل على انشاء متقوم بالتوجيه والترشيد والتنضيج أي يؤول إلى خلق واقع حي يموج بالعطاء ؟ إنه بالتأكيد كلم طيب ، ومن هنا أرى في إدراج الرازي للنصيحة تحت سقف الكلم الطيب ، انتصارا رائعا لمنظومة هذا العنوان الكريم .
الثانية : أميل إلى استقلال معادلة الكلم الطيب عن معادلة العمل الصالح في الآية الكريمة ، اي هناك معادلتان من أجل صياغة حياة جديرة بالاحترام ، الأولى : هي الفكر الجيد ، والثانية : هي العمل الصالح ، وذلك بصرف النظر عن