تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مداخل جديدة للتفسير — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
ليس من شك ان الكلمة في النص الشريف ليس هو اللفظة المفردة اللغوية مهما كان معناها جليلا ، بل هي نص أو نصوص ، تجسد قضايا ومفاهيم وأفكار وطموحات رائعة ، تصب في فضاء الخير والرحمة والجمال ، فالنص الطيب شجرة معطاء ، له جذوره وساقه وأوراقه وزهره وثمره ، وله ماؤه الخاص وتربته المناسبة وضوءه الملائم ، كما أن له أهله ممن ينتفع بكل ما يحمله ، إذ له مذاق متميز ، يحتاج إلى استعداد روحي سامي ورجاحة عقل . النص الايجابي يثمر بالدلالات المتتابعة المتلاحقة ، يندفع من داخله بقوة ذاتية هائلة لتخليق وتوليد وإرسال موجات عارمة من دوائر الايماء والايحاء والاشتقاق ، إنه بذاته خزين من طبقات المعنى ، ولست من الذين يقولون إن عطاءات النص جهد تابع لمعالجات ومقاربات المستقبل وحسب ، بل هو في ذاته ثروة ، غنى ، امتلاء ، فضلا عن إضافات المستقبل التي هي متنوعة ومتشعبة . من أجل ان نتواصل مع الفكرة نضرب مثلا سريعا : - يقول تعالى
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
. . . هذا النص القرآني الجميل ، إنما هو مجال اشتقاق ، أو بالأحرى نظام اشتقاق ، نستطيع ان ننحت من بين تضاعيفه مفهوم الحرية والمسؤولية والصراع ، ونستطيع ان نؤسس من بركاته معادلات فكرية وعلمية ، منها : ان النفس الانسانية نظام من التحولات ، ومنها : ان الصراع جوهر التاريخ ، ومنها : ان الانسان موجود مركب من قوة وضعف . . . ونستطيع ان نستل من تركيبها مستويات وجودية ، فهناك طريقان ، وهناك قطبان ، وهناك نتيجتان . . . وبهذا نفهم قيمة النص ، ومرة أخرى لا انكر هنا مهمة القارئ ، وإلا ، كم هي النصوص الجيدة التي ظلمت نتيجة القراءة المبتسرة السطحية ؟ !