إن ( إنطاق ) الأشياء يدل على استعدادها الذاتي لهذه الامكانية الخلاقة ، وإن اللّه حرك هذه الامكانية ، اخرجها من الكمون إلى الظهور ، وإنطاق اللّه تعالى للأشياء - يعني إن هذه الأشياء تروي تاريخها يوم القيامة ، فكل شيء يختزن تاريخه أو يختزن هويته المتأسسة عبر زمنه في الحياة الدنيا ، فالقيامة صور علمية ساطعة ، انكشاف علمي سافر ، ظهور على الحقيقة .
إن إنطاق اللّه تعالى للأشياء يؤكد أن كل شيء يتضمن إمكانية العلم ، وإن كل ما يمر عليه يتحول إلى جزء منه ، ومن هنا نستطيع ان نستنتج أو نصوغ رأيا قرآنيا مفاده إن التاريخ لا يموت .
وفي الحقيقة أن النص المبدع يمكن ان يتحول إلى ثروة مفاهيمية ومقولية ووجودية ، بل أن كل نص قابل لمثل هذه الامكانات ، ونحن نطرح هذا الرأي من خلال تصور خاص للنص ، ينبع من تصور عام للأشياء والظواهر ، مهما كان مجالها وميدانها ، في عالم المادة أو الروح .
ان كل شئ في هذا الوجود يتخطى الاجزاء التي يتكون منها ، وكنت اعتقد ان كل شئ عبارة عن شبكة من العلاقات ، أو سيل من الأحداث ، ولكن نستطيع ان نطور هذه النظرة ونقول ، ان كل شئ هو ( مجال اشتقاق ) ، لأنه يوفر مجموعة هائلة من ممكنات الاشتقاق ، اشتقاق المفاهيم والافكار والمقولات ، بل اشتقاق طبقات وجودية ، والنص اللغوي مصداق رائع لمثل هذا التصور .
أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
. . .
هذا النص الكريم ( مجال اشتقاق ) قبل أن يكون مجموعة عناصر داخلية متفاعلة ، يتعدى كونه دلالة مكتفية بذاتها ، ويهضم الفعل الاتصالي والسيميائي ، ويستوعب الترابط النحوي .
وتكون كل العلامات اللغوية في خدمته ، تنطوي بتماسكها المتتالي في نطاق خروجه من الداخل إلى الخارج .