كانت عن أداء واثق من مهمته ، وعليه ، يكون ( النطق ) قد انتمى إلى دائرة العلم ، إلى عالم العقل ، إلى فضاء الفكر ، وليس إلى هذه الألفاظ المتصوتة ، سواء كانت مفهومة أو غير مفهومة .
لقد أنطق اللّه تعالى الجوارح / الحواس فشهدت ، أي أنطقها فعلمت ، انطقها فحضرت عندها صورة ، صورة المعلوم الذي هو الجرم أو الإثم الذي اقترفته الذات الحاملة الجوارح / الحواس .
وهي شهادة شديدة السطوع ، حاسمة قاطعة ، ولذلك فاجأت الذات وادهشتها ، وهذا يؤكد لنا ان النطق في هذه النصوص ينتمي إلى دائرة العقل ، ولكن العقل وهو يمارس وظيفته ، أي الإدراك .
ان الجوارح / الحواس أشهدت لأنها أنطقت ، فالنطق فكر ، وإن إنطاق الجوارح بشهادتها أشبه بإثارة وعي كامن ، سادر ، معطل . . .
يقول تعالى
. . أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
.
وهذا يقترب من الرأي الذي يذهب إلى أن النطق هو قوة دراكة كامنة في ذات الانسان .
إن الجوارح / الحواس هنا لا تشهد فقط ، بل تدلي بعلم خارج نطاق شهادتها الأدائية ، إنها تخبر الذات ، بأن اللّه أنطقها وأنطق كل شيء ! ! . . .
وبهذا تتسع دائرة علم الحواس ، إنها تعلم ذاتها وتدلي بشهادتها وتعلم أن اللّه ( أنطق كل شيء ) ، فهل يقتصر ( النطق ) بعد هذه الآفاق على ذلك المعنى القاموسي المحدود ؟ !
اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
. . .
جاء في الميزان ( الذي أنطق كل شيء ) توصيف للّه سبحانه وإشارة إلى أن النطق ليس مختصا بالأعضاء حتى تختص هي بالسؤال ، بل هي عام ( أي النطق ) لكل شيء والسبب الموجب له - اي للنطق - هو اللّه سبحانه وتعالى 17 / 380 .