النطق مجموعة أنظمة بعضها ينطوي داخل بعض ، فوراء كل نظم يقبع نظم آخر ، فالنطق في ظاهره أصوات متقطعة مسموعة مقصودة ، ولكن في أعماقه يكمن الوعي والتدبر والفقه والادراك ، خاصة إذا آمنا بالفلسفة التي تذهب إلى أن اللغة والفكر يجسد أحدهما الآخر ، فالنطق ليس نظما خارجيا ، بل نظم داخلي أيضا .
نحاول هنا ان نستفيض في بيان هذه الفكرة المهمة .
هناك معنى نووي للكلمة ، معنى مصمت ، ساكن ، يقبع في طيات القاموس ، يتجه مباشرة إلى العينة المشار إليها بالكلمة ، التي قد تكون حقيقة أو وهما ، خارجية وذهنية أو ذهنية فقط ، هذا المعنى الصلد يحافظ على وجوده ، يقاوم اي تغيير في سيادته على الكلمة ، ولكن هذه السيطرة تتراخى بفعل الاستعمال بمختلف ضروبه ، العادي أو الأدبي أو العلمي ، فان هذا الاستعمال يضيف إلى المعنى النووي تجربة الحياة والتاريخ ومذخور الذات الانسانية من ذكريات وسيرة ، فتنقلب الكلمة إلى سلسلة من التحولات ، فالتفاحة ليست هذا الكائن المعروف وحسب ، بل هي رائحة معينة ومذاق خاص ، وربما هي منظومة من القيم المادية والمعنوية ، وسيل من الانطباعات ، ولكن رغم هذه التحولات في المعنى أو الدلالة - ونحن هنا لا نفرق بين المفهومين - هناك تداخل معقول بين هذه الآفاق ، ربما يصل إلى حد التضمن أو الاتحاد أو التماس أو التقاطع الجزئي . . .
النطق كأصوات متقطعة لا يمكن ان ينفصل عن الفكر أو التفقه ، انها أنظمة تعاهدت الوجود المتبادل ، بل هي عوالم متشارطة .
إن الكلمة وهي حبيسة المعجم تعاني من قصور ذاتي ، تميل إلى الاستمرار على معناها النووي الجامد ، تخشى الحركة خارج أسوارها اللاهوتية القاسية ، يأتي الاستعمال فيحررها من هذا القصور الذاتي ، خاصة الاستعمال الأدبي
مداخل جديدة للتفسير — صفحة 190
مساهمون: غالب حسن
ص١٩٠