تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مداخل جديدة للتفسير — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
إن إبراهيم عليه السلام كان يحاجج القوم من زاوية عجز الأصنام عن الفقه والوعي وليس من منطلق عجزها عن النطق بالمعنى القاموسي المألوف ، لقد أثار مشكلة الوعي أساسا ، فان رب إبراهيم هو الأخر - سبحانه - لا ينطق بالمعنى المعروف ، وقد رأينا إن هذا النبي الكريم طرح قضية الضرر والنفع من علاقتها بالربوبية والألوهية ، مما يشعر ، ان العجز عن النطق في خصوص أصنامهم ، هو انعدام الإدراك في الدرجة الأولى . جاء في الميزان ( وقوله
أَ لا تَأْكُلُونَ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ
) تكليم منه لآلهتهم وهي جماد ، وهو يعلم أنها جماد لا تأكل ولا تنطق ، ولكن الوجد وشدة الغيظ حمله على أن يمثل موقفها موقف العقلاء ، ثم يؤاخذها مؤاخذة العقلاء كما يفعل بالمجرمين ) ، فجوهر الحجاج الإبراهيمي على هذه العبادة يركز على الوعي والفقه ، والنطق إشارة رمزية إلى ذلك ، كما أن الأكل تعبير آخر عن الحياة ، فان رب إبراهيم الذي طرحه بديلا عن هذه الأصنام حي عالم ، وليس من صفاته - جلا وعلا - الأكل أو التصويت بالألفاظ أو غيرها . يقول الطباطبائي (
ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ
وأنتم آلهة بزعم عبادكم أنكم عقلاء قادرون مدبرون لأمورهم ) . إن عبارة الطباطبائي تنطوي على إمضاء ( النطق ) في سياق من فضاءات الادراك والعقل وليس في سياق من فضاءات اللفظ والتصويت ، ولكن ربما يعترض معترض بقوله : بان آلهتكم هذه عاجزة عن الاكل والنطق فكيف تكون قادرة على الخلق والتدبير ؟ وهو كلام مقبول ومنطقي ، ولكن موضوعة السؤال تشترط الفهم والوعي أكثر من النطق بالرسم القاموسي التقليدي ، بل النطق ذاته بهذا الرسم يحتاج إلى ملكة الفهم والفقه والوعي ، ثم إن إله إبراهيم الذي يدعو اليه بديلا إنما هو حي قادر عالم ، وبذلك يكون أقرب إلى روح النص ان يكون النطق من مختصات عوالم العقل بدليل الآية المكملة (
قالَ