تختلط فيها الحكايات ، وتحتشد بالغمز واللمز ، وتثار حولها الأسئلة البريئة والنزيهة ، وتختلق في صددها الأجوبة الصحيحة والمزيفة ، فلم يكن خبر الإفك خبرا عابرا بسيطا ، بل هو خبر مركب معقد ، خاصة ان من أطراف الخبر زوج الرسول عرضا والرسول جوهرا ، فلا بد ان يكون فضاء من الدلالات ، تتوالد وتتناسل وتتداخل .
الآن نأتي على تفسير قوله تعالى :
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ . . .
، نحاول ان نستقرئ ، أو بالأحرى نستقصي الدلالة البعيدة أو الطبقة الجوهرية العميقة للنص القرآني الكريم ، مستفيدين في ذلك من الإشارات السابقة .
قال في الميزان ( تلقى الإنسان القول ، أخذه القول الذي ألقاه إليه غيره ، وتفيد التقي بالألسنة للدلالة على أنه كان مجرد انتقال القول من لسان إلى لسان ، من غير تثبت وتدبر فيه ) . 15 / 92 .
قال في الكشاف ( تلقونه ) يأخذه بعضكم عن بعض ، يقال : تلقى القول وتلقنه وتلقفه ، ومنه قوله تعالى
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ
. . وتلقونه من إلقائه بعضهم على بعض . . . ) 3 / 66 - 67 .
قال في كنز الدقائق (
تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ )
يأخذه بعضكم عن بعض بالسؤال عنه ، يقال : تلقى القول وتلقنه وتلقنه ) 9 / 326 .
والحقيقة : ان جميع هذه التفاسير جميلة ولطيفة ، ولكنها لا تصدر من ( طبيعة الإشاعة ) التي يقتاد استشرافها إلى وعي النص جيدا ، ويهدي إلى اكتشاف الدلالة الأعمق ، أقصد بذلك قوله تعالى
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ
، فهناك المرسل والمتلقي ، وبينهما الشفرة وهي اللغة التي يعرفها كلا الطرفين ، وهناك السياق أو المشار إليه الذي هو بصريح العبارة ( الفاحشة ) كما هو مفاد قوله تعالى
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
، ثم هناك أداة الاتصال متمثلة