وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ
.
هذه الآية الكريمة تعالج قصة الإفك الشهيرة ، ونحن هنا لا نرمي إلى تفصيل الخبر وتمحيص مجرياته ، وإنما نهف إلى الحفر في مقارباتها اللسانية ، وهذا يستوجب جملة إشارات هادية نطرحها هنا قبل أن نشرع في صميم المهمة .
الملاحظة الأولى
إن التلقي ينصرف إلى أكثر من منحى لغوي معرفي ، ومن جملتها ( التعلم ) ، فقولهم : تلقى العلم ، يعني أخذ العلم ، ومنه قوله تعالى
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ
أي تعلم من ربه سبحانه كلمات الاستغفار والتوسل أو الدعاء . . . وهذا يعني إن جهاز الاستقبال في عملية التلقي هذه إنما هو العقل ، ومما يعنيه التلقي كذلك التلقن والتلقف والاستقبال والطرح .
الملاحظة الثانية
( القول بالأفواه ) يأتي في الاستعمال القرآني للإشارة إلى أن القول لم يكن عن تثبت وتدبر ، بل قد لا يكون له واقع
ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ
،
تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
،
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
،
قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ
.
الملاحظة الثالثة
ان الحدث كان عبارة عن إشاعة باطلة ، والمنقول تاريخيا ، ان هذه الإشاعة سرت كالنار بالهشيم ، في أوساط الناس ، ذلك ( إن الرجل كان يلقى الرجل فيقول له : ما أدراك ؟ فيحدثه بحديث الإفك ، حتى شاع واشتهر ، فلم يبق بيت ولا ناد ، إلا طار فيه ، فكأنهم سعوا في إشاعة الفاحشة ) . / من التفسير الكبير .
ومن طبيعة الإشاعة انها تبدأ صغيرة ثم تكبر وتتضخم ، ومن خصائصها الانتشار السريع عن طريق الأخذ والعطاء ، حيث تصبح مادة تداول وحوار ،