تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مداخل جديدة للتفسير — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
جاء في الميزان 16 / 32 ( إن أخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معينا لي يبين صدقي في دعواي إذا خاصموني ، إني أخاف أن يكذبون ، فلا أستطيع بيان صدق دعواي ) . إن هذا التفسير له ما يؤيده من الكتاب الكريم
. . . وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي
. إن الجمع بين هذه الملاحظات يفيد ان المسألة الجوهرية من استدعاء هارون هي اللغة ، أو بالأحرى الصياغة اللغوية التي تكشف عن كفاءة لغوية ، فهارون ( افصح ) ، أي أقدر على تجسيد الأفكار لغويا . إن القرآن يؤسس في هذا المجال قاعدة فكرية سجالية ، فحواها الجوهري ، ان صياغة الفكر المتين يحتاج إلى لغة متألقة ، إلى لغة رصينة ، ان العقدة التي كان يشتكي منها موسى تقتادنا إلى مشكلة فقدان الكفاءة اللغوية ، التي من شأنها تفعيل اللغة على مستوى عال من الوضوح والإشراق ، فالنص ليس مضمونا وحسب ، بل هي شكل أيضا ، أسلوب ، حضور حيوي متدفق ، لقد كان موسى يخاف النص المتلكئ ، رغم عمق أدلته وشواهده ( إني أخاف ان يكذبون . . ( ولا ينطق لساني ) . . ) ، أي لا يقدر على الإجادة اللغوية ، ودعاء موسى يهدف إلى التحرر من هذا العجز ، يسعى عند ربه ان يكون منطيقا ، ينشد النص الواضح المبين ، إن الأسلوب جزء من بنية الفكر ، في صميم هذه البنية ، ليس تزويقا لفظيا ، بل هو عمارة فكرية ، إن المتلقي ينتظر نصا مشرقا بالدلالة
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي
. . . إن الفصاحة لغة مفعمة بالحيوية ، نص نشط ، نص واثق من مشروعيته ، قالت العرب : أفصح الصبي في منطقه ، إذا بان وظهر وكلامه ، قالت العرب : افصح الصبح إذا أضاء وفصح أيضا .