وَلا يُنْزِفُونَ
، إذا قرئت بكسر الزاي فيعني ذلك : إن هذه الخمرة لا تنفذ ، وأما إذا قرئت بفتح الزاي ، فتعني : إن هذه الخمرة لا تؤدي إلى نزف العقل ، أي لا تؤدي إلى تبديده وتشتيت طاقته ، واعتقد أن القراءة الثانية أولى بالاعتبار لأنها أقرب إلى السياق ، وأكثر صلة بكرامة الإنسان الروحية والعقلية ، وبهذا نفهم أن اللغو في النص المقدس الذي نحن في صدده ، ينصرف إلى آثار الخمرة الدنيوية ، وذلك من خيالات باطلة وأوهام ليس لها حظ من التحقق ، وأفكار مضطربة تفتقد إلى الاتّساق المنطقي والدقة الفكرية والمفهومية ، وربما يشار بذلك أيضا ، إلى المستجن من الكلام أيضا كما هو المعهود عن الخمارين بشكل عام ، وبهذا نلتقي مع المصداق السابق ، وليس من ريب ، أن اللغو لا ينطبق في هذا الاستعمال على الخيال العلمي - مثلا - أو الأوهام التي قد يستعان بها لحل مشكلة نفسية أو علاج ذهنية مريضة ، ولا على أساليب الترفيه البريئة كالنكتة ، أو حتى الكلام غير المعقول ولكن بهدف التسلية وبهدف الافتراض من أجل بحث أو استنتاج . . . ويمكن القول : إنها لغو باعتبار وليست لغوا باعتبار آخر يقول تعالى
. . . قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ، إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ
المؤمنون 1 - 9 .
جاء في تهذيب التفسير الكبير ( وفي اللغو أقوال : أحدها : إنه يدخل فيه كل ما كان حراما أو مكروها أو مباحا ، ولكن لا يكون بالمرء إليه ضرورة وحاجة ، وثانيها : إنه عبارة عن كل ما كان حراما فقط ، وهذا التفسير أخص من الأول ، وثالثها : إنه عبارة عن المعصية في القول والكلام خاصة ، وهذا أخص من الثاني ، ورابعها : إنه المباح الذي لا حاجة إليه . . . ) 5 / 134 .