وهم في بكم عن التفوه بكلمة الصدق ، وهم في عمى عن رؤية دلائل التوحيد .
فلا تجدي معهم جهود دعاة الخير ، لأنهم عطلوا وسائل المعرفة لديهم . ومع كل ذلك فإن رحمة اللّه واسعة عمت الخلق جميعا ، فلم يعجل لهم العقوبة المستأصلة بسبب ذنوبهم وآثامهم
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ . . .
[ فاطر : 45 ] .
ولو جود رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين ظهراني المكذبين من قريش ميزة خاصة في استحقاق الرحمة وتأجيل العذاب .
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
[ الأنفال : 33 ] .
فلعل اللّه يهدي ضالهم فيستغفرون ، أو يخرج من أصلابهم من يوحد اللّه ويعبده .
ولكن لا بد للاستمرار على الكفر والجحود والعناد من نهاية ،
بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا
.
كما جرت سنة اللّه فيمن سبقهم من أهل القرى ، والسعيد من اتعظ بغيره وأخذ العبرة من حال القرون الخالية ، ولا تزال القرى ماثلة بأطلالها خاوية على عروشها ، وهم يمرون عليها مصبحين وبالليل أفلا يتذكرون فهل من معتبر ؟ ! .
الفوائد والعظات والعبر في المقطع الثالث :
1 - في قوله تعالى :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
.
بيان لحشرهم مجردين عن الثياب والمال والأعوان ، وفي ذلك ترسيخ لحقيقة وردت في المقطع السابق وهي أن زينة الحياة الدنيا تذهب مع الحياة الدنيا ، لأنها لم ترتبط بقيم باقية خالدة ( ذكر اللّه وما والاه ) .
2 - أسلوب الالتفات من الأساليب البلاغية العريقة في البيان القرآني لإعطاء كل مقام ما يناسبه من أفانين القول .