« . . . اني سمعت قولا واللّه ما سمعت مثله قط واللّه ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة ، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فو اللّه ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فان تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وان يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به » .
وهذا مثل ثالث هو الخليفة عمر بن الخطاب ( رض ) قبل ان يشهر اسلامه تطرق اسماعه اخبار مقلقة مفادها ان شقيقته ( فاطمة ) قد اشهرت اسلامها - أو صبأت بمفهوم القرشيين حينئذ - فيذهب لتوه إلى دارها وهو يتميز من الغيظ مصمما على الاجهاز عليها - ان ثبت لديه إسلامها - ليجعل منها عبرة لكل من يحاول أو يفكر في تبديل دين آبائه وأجداده والدخول في الدعوة الجديدة التي جاء بها محمد ( ص ) . .
وعندما يقترب من دارها ويلجه يبطش بصهره ( ختنه ) سعيد ويلطم أخته لطمة يشج بها وجهها ثم يخطف من يد أخته - التي كانت ترتجف امامه - صحيفة خاصة ليرى حقيقتها وما هو مسطّر فيها . .
ولكن ما ان يمرر بصره عبر هذه الصحيفة ويبدأ بقراءة ما تضم من كلمات وجمل تأخذه سنة من التفكير والتأمل العميق يتمخضان عن استيقاظ الضمير وحركة الوجدان بعد ان يدرك بان الذي قرأه ليس من صنع بني قومه ولا نظمهم ولا يشبه ما سمعه من كلام العرب واشعارهم فينطق لسانه بقولته الشهيرة : « ما أحسن هذا الكلام وأكرمه » .
لذا فيسأل بعد ذلك عن الدار التي يختبىء بها الرسول ( ص ) فيتجه صوبه مسرعا وفي وسطه يشهر اسلامه بين صفوف الرسول ومن معه من المسلمين فيرتفع التكبير في أطراف الدار حتى خيف ان يصل التكبير إلى سماع القرشيين التي لا تبعد مساكنهم عن هذه الدار إلا بمسافة قصيرة ، ولكن الفرح الذي غمرهم والأمل الذي أصابهم كان أقوى من الخوف ومن بطش القرشيين بعد ان انضم إلى صفوفهم نصير
لمحات من تاريخ القرآن — صفحة 292
مساهمون: محمد علي الأشيقر
ص٢٩٢