وجاء من بعده دور الثاني ميمون بن ديصان فاعتذر هو بدوره وقال : « إنه قد افزعته واذهلته الآية :
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
« 24 » فشغل بها عن القيام بعمله المكلف به من قبل . .
وعندما جاء دور الثالث وهو عبد اللّه بن المقفع فإنه ابدى اعتذاره لأنه شعر بنفس ما شعر به زملائه عندما مرت من أمامه الآية :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
« 25 » فاشغلته آية نوح هذه عن المضي في الأمر الذي اتفق عليه . .
اما الأخير وهو عبد الملك البصري فكانت آية يوسف وهي قوله تعالى :
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ
« 26 » هي التي ذهبت بلبه وصرفته عن الشروع في إنجاز العمل الموكل إليه . .
وهكذا « سمع العرب آيات التحدي واشتهرت فيما بينهم ودارت على ألسنتهم ولكن عجزوا عن معارضة القرآن ولو بمثل اقصر سورة منه مع أنهم كانوا أئمة الفصاحة والبيان » « 27 » .
ودار الزمن من بعد ذلك دورته وسار الفلك ليقطع القرون
هامش
( 24 ) الحج : 73 .
( 25 ) هود : 44 .
( 26 ) يوسف : 8 .
( 27 ) منهج البيان في تفسير القرآن - السيد ابن الحسن الرضوي .