تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لمحات من تاريخ القرآن — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
فقد كان الرسول ( ص ) والمسلمون قبل الهجرة في كنف عدو جبار لا يرحم ولا تلين له قناة يتربص بهم الدوائر ويحصي عليهم أنفاسهم ولا يملكون إزاءه إلا المسالمة والاختفاء والترقب وانتظار فرج السماء . . اما بعد الهجرة المباركة فقد اتسع نطاق الدعوة ولاح في الأفق الأمل والرجاء ، وأصبح المسلمون في المدينة هم أسياد الموقف وفرسان الميدان بتضاعف أنصارهم وأشياعهم ، كما وبدءوا العمل لإقامة أسس
هامش
تاريخ فكيف نعمل بها في هذه الحالة . . لذا جمع عمر بن الخطاب أصحاب رسول اللّه ( ص ) سنة 17 هجرية واستشارهم ( كعادته ) فيما دهمه من الحيرة والارتباك في صدد الوقت ، وطلب منهم وضع تاريخ للمسلمين يتعاملون عليه ، فقال بعضهم نكتب على تاريخ الرومان فقيل أنه يطول علينا وقال الآخرون بل نكتب على تاريخ الفرس فقيل إن الفرس كانوا كلما قام منهم ملك طرح التاريخ الذي قبله وسار على تاريخ جديد ، فاختلفوا بصدد التاريخ أشدّ الاختلاف وأعظمه . . وفي الأخير اتفق الجميع من دونما استثناء على الاقتراح المقدم من قبل الإمام علي بن أبي طالب - ع - والذي أشار فيه إلى أن أظهر الأوقات وأبعدها عن الاختلاف هو اتخاذ الهجرة النبوية وموافاة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم المدينة كبداية للتاريخ الإسلامي ، وحيث أن الهجرة كانت في شهر ربيع الأول لذا أضافوا الأشهر التي تسبق الربيع ليبدءوا بما اعتادوا به السنة وهو شهر المحرم وقد ارخ منه . . أما عن علة ترك المولد والمبعث والوفاة وبقية الوقائع والحوادث كبداية للتاريخ الإسلامي ، فذكر أن كلا من المولد والمبعث فيهما خلاف عن وقتهما الصحيح ، أما عن وفاته ( ص ) فإنه وإن كان معلوما لدى الجميع إلّا أنه رؤي أنه من غير المستحسن أن يؤرخ التاريخ به وذلك خشية أن يصبح يوم وفاته ( ص ) عيدا وفرحا للمسلمين يحتفلون به في كل عام . . لذا اتفق الجميع على اتخاذ الهجرة النبوية كتاريخ للمسلمين لأنها أدت إلى ارتفاع كلمة الإسلام وإدبار الكفر ونجاة الرسول ( ص ) من طغيان وجبروت مشركي مكة ، وقد توالت بعدها مباشرة الفتوحات والانتصارات حتى فتحت أبواب مكة بوجه الرسالة الجديدة ودخل أهلها في ظل الإسلام وخفق علم الإسلام في المشرق والمغرب . ( بتصرف عن عدة كتب وأهمها كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية - لأبي الريحان البيروني ) .
لمحات من تاريخ القرآن — صفحة 203 | محمد علي الأشيقر