ولم تكن هذه المباحث يومئذ معدودة في التفسير ، حتى إذا دوّنت الكتب وكثر المؤلفون وبعد عصر العربية الفصحى أصبح هذا البحث من أركان علم التفسير وعني به المحققون من المفسرين ، وظهر في العصر السادس الهجري كتاب الكشاف للعلامة الزمخشري جامعا لعرائب الفنون من علوم اللسان ، شارحا دقائق البيان ونكات البلاغة شرح خبير عليم فكان كتابا ممتعا في بابه .
ثم ظهر كتاب مجمع البيان للعلامة الطبرسي فكان غاية في الاتقان وحسن الترتيب والتبويب ، وجمع إلى البحث عن اللغة والإعراب بيان النظم وسبب النزول ، ثم فصل المعنى تفصيلا لم يكن فيه اطناب ممل ولا اختصار مخل ؛ وهو بذلك من أحسن كتب التفسير تنسيقا وتأليفا ومع ذلك فهو يورد الأقوال المختلفة غير متعرض لنقد أو اعتراض ، بل تراه يسرد الأقوال ويترك الحكم فيها للمطالع ليشحذ ذهنه باختيار ما يراه صوابا ويتعود به من لم يتعود ملكة النقد والتمحيص » « 1 » .
قال صديق حسن خان : « . . . فاعلم أن كتب التفاسير كثيرة ذكر منها ملا كاتب الجبلي في كشف الظنون ما يزيد على ثلاثمائة تفسير مرتبا على حروف الهجاء ، وزدنا عليه في كتابنا الإكسير في أصول التفسير ، فمنها تفسير ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد الرازي الحافظ المتوفى سنة خمس وتسعين ومائتين .
وانتقاه الشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة في مجلد ، ومنها تفسير ابن جرير أبي جعفر محمد الطبري المتوفى سنة عشرة وثلاثمائة ، قال السيوطي في الاتقان : وكتابه أجل التفاسير وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض والإعراب والاستنباط فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين ا ه .
وقد قال النووي : أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري ، وعن أبي حامد الأسفرايني أنه قال : لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا .
هامش
( 1 ) مقدمة مجمع البيان ج 1 ص 65 - 67 .