تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
أكثر من غيره ، فكان الكشاف بذلك بيانا أكثر منه تفسيريا . وقد عني بعض المفسرين بعلوم النحو والإعراب فبحث وأطال حتى خرج عن الحدّ ، وتمسك بعضهم بعلم الفقه فلم يدع شاردة الا ذكرها ، وبعضهم نحا منحى الإخباريات وغفل عما عداها ، وبعضهم شغف بالعلوم الفلسفية فصرف كلامه في التفسير إليها ، وهكذا حتى أصبحت كتب التفاسير كأن كل كتاب منها الف في غير ما الف فيه الآخر ، بل تكاد تستخرج من مجموعها دائرة معارف عربية ، قال صاحب كشف الظنون : « ومنهم من ملأ كتابه بما غلب على طبعه من الفن واقتصر على ما تمهر فيه ، كأن القرآن أنزل لأجل هذا العلم لا غير مع أن فيه تبيان كل شيء ، فالنحوي تراه ليس له الا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه وإن كانت بعيدة . وينقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في البسيط وأبى حيان في البحر والنهر . والأخباري ليس له شغل إلا القصص واستيفاؤها والإخبار عمن سلف سواء كانت صحيحة أو باطلة ومنهم الثعلبي ، والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه جميعا وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية أصلا والجواب عن الأدلة للمخالفين كالقرطبي . وصاحب العلوم العقلية وخصوصا الإمام الرازي قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وخرج من شيء إلى شيء حتى يقضي الناظر عجبا ، قال أبو حيان في البحر : جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير ، ولذلك قال بعض العلماء : فيه كل شيء الا التفسير . أما قدماء المفسرين فقد كانوا على طريقة مؤلفي عصرهم من إيراد الأقوال والأحاديث مسندة إلى رواتها ، منقولة بوجوه متعدّدة واقتصروا فيها على شرح المعاني وايراد الأحاديث الدالة على ذلك مع بيان الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ومقتضيات الحال وما أشبه ذلك مما كان متداولا في عصر الصحابة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولم يعنوا بشرح اللغة ودقائق الإعراب ونكات البيان ؛ لأن ملكة اللغة كانت في زمنهم لم تنحط إلى درجتها التي وصلت إليها بعدهم ، بل كانت علوم اللسان يومئذ غير مدوّنة وكانت معرفتها إلى السليقة والفطرة أقرب منها إلى التعلم .