تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 552

مساهمون:

ص٥٥٢
فلا تغتر بالتحقيقات الفلسفية والتلطيفات العرفانية ، والتدقيقات العلمية ! التي تحول دون استنباط القرآن كقرآن ، تحميلا عليه ما لا يتحمله . وتحلّل - حين ما تروم تفسير القرآن - عن كل شارد ووارد حتى وعن مذهبك فضلا عن رأيك أو آراء الآخرين ، تحلّل عن كل ذلك وعش الآية التي تعني تفسيرها ، بمفرداتها وجملها ، بموقفها مما قبلها وما بعدها ، وبنظائرها التي تعني معناها ، عشها كذلك محقّقا صافي القلب خالي الذهن إلا عما تستمد به في تفهمها بمفهومها أو مصاديقها ، سنادا إلى عقل رائع وعلم بارع دون تحميل على الآية ما لا تتحمله نصا أو ظاهرا ، أو لا تخالفه ولا توافقه حيث لا تمتّ بصلة دلالية أو معنوية بما تحمله عليها ، واللّه من وراء القصد . فالذي يفسر القرآن برأيه أو برأي مذهبه أو تقليده أو ايا كان من آراء انما يفسر نفسه أو مذهبه عبر القرآن بهواه ، دون ان يهتدي بهداه ، تفسيرا لنفسه دون تفسير القرآن نفسه ، فلذلك « كان مصيره إلى النار » « وليتبوأ مقعده من النار » . ولأن الأهوية والآراء تختلف ، والمذاهب تتخالف ، والنظريات تتضارب ، فمعاني الآيات لمن يحمل هذه وتلك تتهافت ، ويصبح القرآن مجال القيل والقال ومعترك الآراء والأقوال . وأما إذ صدر المفسرون عن مصدر واحد ، وساروا في مسير واحد ، مفسرين للقرآن بالقرآن ، على ضوء السنة القطعية الملائمة للقرآن ، اغتربت خلافاتهم ، واقتربت أفكارهم ، وإذا جعلوا أمرهم شورى بينهم قلّ قليلهم وصح عليلهم ، واستشرفوا إلى ينبوع الوحي وإن كانوا في ذلك درجات . صحيح أن القرآن بيان للناس ، إلّا أن بيانه درجات كما الناس درجات ، وكما يروي الإمام الحسين عن أبيه علي أمير المؤمنين عليهم السّلام : « إن كتاب اللّه على أربعة أشياء ، على العبارة والإشارة واللطائف والحقائق ، فالعبارة للعوام والإشارة للخواص واللطائف للأولياء والحقائق للأنبياء » وهذه الأشياء المراحل هي متلائمة رغم درجاتها . فالعبارة - وهي ما يعبّر عنه اللفظ - هي التفسير الظاهر ، والإشارة هي التحقيق على هامش الظاهر ، واللطائف هي البطون ، والحقائق هي التأويل ، فالذي لا يعرف التفسير
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 552 | مركز الثقافة والمعارف القرآنية