أمثال هذه الأشياء ، بين قائلين : منهم من يصدق به ويأخذه على ظاهره ويعتقد أن ذلك هو مراد اللّه تعالى من كتابه ، وإذا عارضه ما ينقل في كتب التفسير على خلافه ، فربما كذب به أو أشكل عليه . ومنهم من يكذب به على الإطلاق ويرى أنه تقوّل وبهتان ، مثل ما تقدم من تفسير الباطنية ومن حذا حذوهم . وكلا الطريقين فيه ميل عن الإنصاف » « 1 » .
قال القاسمي : « واعلم أن للتفسير أحكاما وضروبا ، فمن ذلك :
فهم معنى اللفظ : وهو منقسم إلى ثلاثة أقسام :
أحدها : ما يعرفه العامة والخاصة كالأرض والسماء والجبال والرجال والأشجار والأمطار .
القسم الثاني : ما يعرفه معظم الخاصة كالمعاد والملاذ .
القسم الثالث : ما يعرفه القليل من الخاصة كالرفوف والصفصف .
ومن ضروب التفسير ما يتردد بين محملين : أحدهما أظهر عند النزول فيرجع فيه إلى الصحابة والتابعين ، ويحمل على ظاهره حينئذ . ومنه ما يحمل على أخفى محمليه لدليل يقوم عليه . ومنه ما يتساوى فيه الأمران فيخص أحدهما بالسبب الذي نزل لأجله .
ومنه ما يتساوى من غير ترجيح عندنا وهو راجح في نفس الأمر ، لأن الرسول عليه السّلام قد بيّن للناس ما نزل إليهم ؛ فبعض المتأخرين يحمله على جميع محامله . والوقف أولى به .
وقد يتردد بين محامل كثيرة يتساوى بعضها مع بعض ، ويترجح بعضها على بعض .
وأولى الأقوال : ما دلّ عليه الكتاب في موضع آخر ، أو السنة ، أو إجماع الأمة ، أو سياق الكلام ؛ وإذا احتمل الكلام معنيين وكان حمله على أحدهما أوضح وأشد موافقة للسياق - كان الحمل عليه أولى . وقد يقدر بعض النحاة ما يقتضيه علم النحو . لكن يمنع منه أدلّة شرعية ، فيترك ذلك التقدير ، ويقدر تقديرا آخر يليق بالشرع . وقد يعبّر النحاة والمفسرون وغيرهم بالعام ويريدون به الخاص فيجهله كثير من الناس . وعلى الجملة :
فالقاعدة في ذلك أن يحمل القرآن على أصح المعاني وأفصح الأقوال ، فلا يحمل على معنى ضعيف ، ولا على لفظ ركيك . وكذلك لا يقدر فيه من المحذوفات إلا أحسنها
هامش
( 1 ) محاسن التأويل ج 1 ص 69 - 77 .