تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
كفاية عن فكرة من بعده ، وما لم يرد عنه بيانه ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده ، ليستدلوا بما ورد بيانه على ما لم يرد . قال : وقد يكون المراد به من قال فيه برأيه من غير معرفة منه بأصول العلم وفروعه ، فتكون موافقته للصواب ، إن وافقه ، من حيث لا يعرفه ، غير محمودة . وقال الماوردىّ : قد حمل بعض المتورعة هذا الحديث على ظاهره ، وامتنع من أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده ، ولو صحبها الشواهد ، ولم يعارض شواهدها نص صريح . وهذا عدول عما تعبّدنا بمعرفته من النظر في القرآن ، واستنباط الأحكام ، كما قال تعالى :
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
« 1 » ولو صح ما ذهب إليه ، لم يعلم شئ بالاستنباط ، ولما فهم الأكثر من كتاب اللّه شيئا . وإن صح الحديث فتأويله : أن من تكلم في القرآن بمجرد رأيه ، ولم يعرج على سوى لفظه ، وأصاب الحق ، فقد أخطأ الطريق ، وإصابته اتفاق ، إذ الفرض أنه مجرد رأى لا شاهد له . وفي الحديث : « القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه » أخرجه أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس . فقوله : « ذلول » يحتمل معنيين : أحدهما : أنه مطيع لحامليه تنطق به ألسنتهم . والثاني : أنه موضح لمعانيه حتى لا يقصر عنه أفهام المجتهدين . وقوله : « ذو وجوه » يحتمل معنيين : أحدهما : أن من ألفاظه ما يحتمل وجوها من التأويل . والثاني : قد جمع وجوها من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب والتحريم . وقوله : « فاحملوه على أحسن وجوهه » يحتمل معنيين : أحدهما : الحمل على أحسن معانيه ، والثاني : أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص ، والعفو دون الانتقام . وفيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب اللّه تعالى - كذا أفاده الزركشىّ في البرهان .
هامش
( 1 ) سورة النساء الآية 83 .