ثم أخذ ينمو ويتوسع حتى أصبح علما قائما بذاته تخصص له علماء وألفوا فيه الكتب .
ونستطيع أن نلم بتطوره باستعراض الأدوار التاريخية التي يمر بها هذا العلم على الوجه الآتي :
المبحث الأول : التفسير في عهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
على الرغم من أن القرآن قد نزل بلغة عربية على قوم اهتموا بالفصاحة والبيان ، نجد في القرآن صورا من التعبيرات التي تتردد بين الحقيقة والمجاز ، والتصريح والكناية ، والإحكام والتشابه ، والإجمال والتفصيل . . . وغير ذلك .
وعلى ذلك فقد فهموا القرآن إجمالا دون تفصيل . ولما كان الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو مهبط الوحي ومبلغ الرسالة ، فقد فهمه جملة وتفصيلا فكان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو المرجع الوحيد لشرح معانيه واستنباط أحكامه . وقام بالأمر خير قيام ، وبلغ الرسالة ، تحقيقا لقوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
« 1 » فالآية تشير إلى إحدى وظائف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الذي أنزل عليه القرآن ، أن يعلمه للناس .
كيفية التفسير في عهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
أ - كان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا نزلت عليه آية بادر أحيانا بتوضيح ما خفي منها ، إذ لما نزل قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
« 2 » قال : « عدلا » .
ب - كانت سيرته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في حياته وعبادته تفسيرا لما حمله القرآن . إذ فسر معنى الصلاة بعمله ، وقال : « صلوا كما رأيتموني أصلي » [ رواه البخاري ] وفسّر معنى الحجّ بعمله ، فقال : « خذوا عنى مناسكك » . [ رواه مسلم ] ، وهكذا فسر الأحكام والجهاد حتى الآيات المتعلقة بالأخلاق ، فقد فسرها تطبيقا بعمله ، سئلت عائشة أم المؤمنين رضي اللّه تبارك وتعالى عنها عن خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فقالت : كان خلقه القرآن . [ رواه مسلم ] .
ج - كان السائل يأتيه فيسأله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن شيء مما في القرآن ، فأحيانا يجيبه فورا ، وأحيانا يتوقف في الإجابة حتى يأتيه خبر السماء . وقد يأتي الوحي حالا ، وقد يتأخر بأمر الحكيم العليم ، سبحانه ، وقد يسألونه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للاختبار ، وللتأكد من صدق رسالته ، فيأتيه المدد من
هامش
( 1 ) سورة النّحل : الآية 44 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 143 .