وتبديلهم : إن اللّه تعالى كما أطلق أيديهم في تبديل ما شاء رفعه من ذينك الكتابين ، كفّ أيديهم عما شاء إبقاءه من ذينك الكتابين ، حجة عليهم .
وممن كان يرى جواز النقل عن كتبهم ، من قدماء الشافعية ، الإمام الماوردي . كما تراه في مواضع من كتابه « أعلام النبوة » .
وممن حقق هذا البحث الإمام برهان الدين البقاعي ، ثم الدمشقي ، في تفسيره « المناسبات » الذي قال عنه شيخ الإسلام القاضي زكريا : « ما ألف نظيره وجدير بأن يكتب بماء الذهب » كما حكاه عنه تلميذه الإمام الهيتمي في آخر فتاويه الحديثية .
وهاك ما قاله البقاعي ، رحمه اللّه ، في تفسير قوله تعالى :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
« 1 » » ، ما نصه : فإن أنكر منكر الاستشهاد بالتوراة أو بالإنجيل ، وعمى عن أن الأحسن في باب النظر أن يرد على الإنسان بما يعتقده ، تلوت عليه قول اللّه تعالى استشهادا على كذب اليهود
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
« 2 » ، وقوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً
« 3 » في آيات من أمثال ذلك كثيرة . وذكرته باستشهاد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالتوراة في قصة الزاني « 4 » . وروى « 5 » الشيخان عن أبي سعيد رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : تكون الأرض يوم القيامة خبزة نزلا لأهل الجنة .
فأتى رجل من اليهود فقال : بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم ، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 34 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية 93 .
( 3 ) سورة المائدة : الآية 48 .
( 4 ) صحيح البخاري في : 65 - كتاب التفسير ، 3 - سورة آل عمران ، 6 - باب قل فأتوا بالتّوراة فاتلوها إن كنتم صادقين .
عن عبد اللّه بن عمر ؛ أن اليهود جاءوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم برجل منهم وامرأة قد زنيا . فقال لهم : كيف تفعلون بمن زنى منكم ؟
قالوا : نحممهما ونضربهما . فقال : لا تجدون في التوراة الرجم ؟ فقالوا : لا نجد فيها شيئا . فقال لهم عبد اللّه بن سلام : كذبتم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين . فوضع مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم . فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها . ولا يقرأ آية الرجم . فنزع يده عن آية الرجم ، فقال : ما هذه ؟ فلما رأوا ذلك قالوا : هي آية الرجم . فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند المسجد . فرأيت صاحبها يجنأ عليها يقيها الحجارة .
( 5 ) صحيح البخاري في : 81 - كتاب الرقاق ، 44 - باب يقبض اللّه الأرض :
عن أبي سعيد الخدري : قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة . فأتى رجل من اليهود فقال : بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم . ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة ؟ قال : بلى . قال : تكون الأرض خبزة واحدة ( كما قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) فنظر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجده ، ثم قال : ألا أخبرك بإدامهم ؟ قال : إدامهم بالام ونون . قالوا : وما هذا ؟ قال : ثور ونون ، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفا .