قلنا : هذه كلها نعم جسام ، لأن اللّه هدد العباد بها استصلاحا لهم ليخرجوا من حيز الكفر والطغيان والفسوق والعصيان ، إلى حيّز الطاعة والإيمان والانقياد والإذعان ؛ فإن من حذّر من طرق الردى وبيّن ما فيها من الأذى ، وحثّ على طريق السلامة الموصلة إلى المثوبة والكرامة ، كان منعما غاية الإنعام ، ومحسنا غاية الإحسان .
ومثل ذلك قوله :
هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ
« 1 » ، وعلى هذا تصلح فيه مناسبة الربط بذكر صفة الرحمة في ذلك المقام .
وأما قوله :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
« 2 » فإنه تذكير بالموت والفناء للترغيب في الإقبال على العمل لدار البقاء ، وفي الإعراض عن دار الفناء .
وأما قوله :
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ
« 3 » فإن تقديره عند بعضهم : وإن كانوا من قبل إنزال القطر عليهم ، من قبل إنزاله ، لمبلسين . فأكد ( قبل ) الأولى ب ( قبل ) الثانية . وهذا لا اهتمام فيه ، فإنه معلوم أن اليأس من نزول المطر كان محققا قبل الإنزال ، فلا حاجة - في مثل هذا - إلى التأكيد .
وقدّر آخرون : وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبل إرسال الرياح ، أو من قبل إثارة السحاب لمبلسين ؛ فعلى هذا لا يكون تكريرا ولا تأكيدا .
وعود الضمائر إلى المصادر التي دلت عليها الأفعال ، ولم تذكر معها - كثير في القرآن وفصيح الكلام . مثاله : قوله
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
« 4 » فعاد الضمير إلى العدل الذي دلّ عليه
« اعْدِلُوا »
. ومثله قوله :
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً
« 5 » أي : لا نشترى بالقسم الذي دلّ عليه قوله :
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ
.
سر تكرير قصة موسى مع فرعون
ذكرنا قبل ما قاله العز بن عبد السلام - في التكرير - من الأسرار الباهرة التي تشمل قصة موسى مع فرعون . ثم رأيت كلاما - في ذلك - لشيخ الإسلام تقىّ الدين بن تيمية - في
هامش
( 1 ) سورة يس : الآية 52 .
( 2 ) سورة الرحمن : الآية 26 .
( 3 ) سورة الروم : الآية 49 .
( 4 ) سورة المائدة : الآية 8 .
( 5 ) سورة المائدة : الآية 106 .