خلال رسالة له - يقول رحمه اللّه :
« وثنّى في القرآن قصة موسى مع فرعون لأنهما في طرفي نقيض ، في الحق والباطل .
فإن فرعون في غاية الكفر والباطل ، حيث كفر بالربوبية وبالرسالة . وموسى في غاية الحق والإيمان من جهة أن اللّه كلمه تكليما لم يجعل اللّه بينه وبين خلقه واسطة من خلقه ، فهو مثبت لكمال الرسالة ، وكمال التكليم ، ومثبت لرب العالمين بما استحقه من النعوت ؛ وهذا بخلاف أكثر الأنبياء مع الكفار ، فإن الكفار أكثرهم لا يجحدون وجود اللّه ؛ ولم يكن أيضا للرسل - من التكليم - ما لموسى . فصارت قصة موسى وفرعون أعظم القصص ، وأعظمها اعتبارا لأهل الإيمان ولأهل الكفر . ولهذا كان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقص على أمته عامة ليله عن بني إسرائيل ، وكان يتأسّى بموسى في أمور كثير ، ولما بشّر بقتل أبى جهل يوم بدر قال :
« هذا فرعون هذه الأمة » . وكان فرعون وقومه من الصابئة المشركين الكفار ؛ ولهذا كان يعبد آلهة من دون اللّه ، كما أخبر عنه بقوله :
وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ
« 1 » وإن كان عالما بما جاء به موسى ، مستيقنا له ، لكنه كان جاحدا مثبورا ، كما أخبر اللّه بذلك في قوله :
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ . وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا . . .
« 2 » الآية .
وقال تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ . . .
- إلى قوله -
لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ . . .
الآية « 3 » » « 4 » .
قال ابن عاشور : « وفيما ذكرنا ما يدفع عنكم هاجسا رأيته خطر لكثير من أهل اليقين والمتشككين وهو أن يقال : لما ذا لم يقع الاستغناء بالقصة الواحدة في حصول المقصود منها . وما فائدة تكرار القصة في سور كثيرة ؟ وربما تطرق هذا الهاجس ببعضهم إلى مناهج الإلحاد في القرآن . والذي يكشف لسائر المتحيرين حيرتهم على اختلاف نواياهم وتفاوت مداركهم أن القرآن - كما قلنا - هو بالخطب والمواعظ أشبه منه بالتآليف .
وفوائد القصص تجتلبها المناسبات فتذكر القصة كالبرهان على الغرض المسوقة هي معه ، فلا يعد ذكرها مع غرضها تكرير الها لأن سبق ذكرها إنما كان في مناسبات أخرى . كما
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : الآية 127 .
( 2 ) سورة النمل : الآية 13 و 14 .
( 3 ) سورة الإسراء : الآية 101 و 102 .
( 4 ) محاسن التأويل ج 1 ص 257 - 260 و 264 و 265 .