والثاني : ما يخصص العام من القصة ، أو مثل ذلك من وجوه صرف الكلام عن الظاهر .
فلا يتيسر فهم المقصود من الآيات بدونها .
ومما ينبغي أن يعلم أن قصص الأنبياء السابقين لا تذكر في الحديث إلا على سبيل القلة ، فالقصص الطويلة العريضة التي تكلف المفسرون روايتها ، كلها منقولة عن علماء أهل الكتاب ، إلا ما شاء اللّه تعالى . وقد جاء في صحيح البخارىّ مرفوعا : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم « 1 » . وليعلم أن الصحابة والتابعين ربما كانوا يذكرون قصصا جزئية لمذاهب المشركين واليهود وعاداتهم من الجهالات لتتضح تلك العقائد والعادات ، ويقولون : نزلت الآية في كذا . ويريدون بذلك أنها نزلت في هذا القبيل ، سواء كان هذا وما أشبهه ، أو ما قاربه . ويقصدون إظهار تلك الصورة ، لا بخصوصها ، بل لأجل أن التصوير صالح لتلك الأمور الكلية . ولهذا تختلف أقوالهم في كثير من المواضع ، وكلّ يجرّ الكلام إلى جانب . وفي الحقيقة ، المطالب متحدة . وإلى هذه النكتة أشار أبو الدرداء حيث قال :
لا يكون أحد فقيها حتى يحمل الآية على محامل متعددة . انتهى .
وقال أيضا : من جملة الآثار المروية في كتب التفسير بيان سبب النزول . وسبب النزول على قسمين :
الأول : أن تقع حادثة يظهر فيها إيمان المؤمنين ، ونفاق المنافقين ، كما وقع في أحد والأحزاب ، أنزل اللّه تعالى مدح هؤلاء ، وذم أولئك ، ليكون فيصلا بين الفريقين . وربما يقع في مثل هذا من التعريض بخصوصيات الحادثة ما يبلغ حدّ الكثرة . فيجب أن يذكر شرح الحادثة مختصرا ليتضح سوق الكلام على القارئ .
القسم الثاني : أن يتم معنى الآية بعمومها من غير احتياج إلى العلم بالحادثة التي هي سبب النزول . والحكم لعموم اللفظ لا لخصوص السبب . وقد ذكر قدماء المفسرين تلك الحادثة بقصد الإحاطة بالآثار المناسبة للآية ، أو بقصد بيان ما صدق عليه العموم . وليس
هامش
( 1 ) أخرجه البخارىّ في : 97 - كتاب التوحيد 51 - باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب اللّه بالعربية وغيرها .
عن أبي هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا :آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ . . .الآية » .