تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
فِي النِّساءِ
،
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ
« 1 » ،
يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ
« 2 » . ومنها ما ينزل بدون حادث ، وكلما ترى حكما لم يذكر له المفسرون حادثا انزل الحكم مرتبا عليه » « 3 » .

قال ابن عاشور في أسباب النزول :

« أولع كثير من المفسرين بتطلب أسباب نزول آي القرآن ، وهي حوادث يروى أن آيات من القرآن نزلت لأجلها لبيان حكمها أو لحكايتها أو إنكارها أو نحو ذلك ، وأغربوا في ذلك وأكثروا حتى كاد بعضهم أن يوهم الناس أن كل آية من القرآن نزلت على سبب . وحتى رفعوا الثقة بما ذكروا . بيد أنا نجد في بعض آي القرآن إشارة إلى الأسباب التي دعت إلى نزولها ونجد لبعض الآي أسبابا ثبتت بالنقل دون احتمال أن يكون ذلك رأى الناقل ، فكان أمر أسباب نزول القرآن دائرا بين القصد والإسراف ، وكان في غض النظر عنه وإرسال حبله على غاربه خطر عظيم في فهم القرآن . فذلك الذي دعاني إلى خوض هذا الغرض في مقدمات التفسير لظهور شدة الحاجة إلى تمحيصه في أثناء التفسير ، وللاستغناء عن إعادة الكلام عليه عند عروض تلك المسائل ، غير مدّخر ما أراه في ذلك رأيا يجمع شتاتها . وأنا عاذر المتقدمين الذين ألّفوا في أسباب النزول فاستكثروا منها ، بأن كل من يتصدى لتأليف كتاب في موضوع غير مشبع تمتلكه محبة التوسع فيه فلا ينفك يستزيد من ملتقطاته ليذكى قبسه ، ويمدّ نفسه ، فيرضى بما يجد رضى الصب بالوعد ، ويقول : زدني من حديثك يا سعد . غير هيّاب لعاذل ، ولا متطلب معذرة عاذر ، وكذلك شأن الولع إذا امتلك القلب ، ولكني لا أعذر أساطين المفسرين الذين تلقفوا الروايات الضعيفة فاثبتوها في كتبهم ولم ينبهوا على مراتبها قوة وضعفا ، حتى أوهموا كثيرا من الناس أن القرآن لا تنزل آياته إلا لأجل حوادث تدعو إليها ، وبئس هذا الوهم ؛ فإن القرآن جاء هاديا إلى ما به صلاح الأمة في أصناف الصلاح فلا يتوقف نزوله على حدوث الحوادث الداعية إلى تشريع الأحكام . نعم إن العلماء توجسوا منها فقالوا : إن
هامش
( 1 ) سورة النساء : الآيتان 127 - 176 . ( 2 ) سورة المائدة : الآية 4 . ( 3 ) بيان المعاني ج 1 ص 26 - 27 .