وعن الحسن أنه قال : ما أنزل اللّه آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما أنزلت ، وما أراد بها .
وهو نص في الموضع مشير إلى التحريض على تعلم علم الأسباب .
وعن ابن سيرين قال : سألت عبيدة عن شئ من القرآن ، فقال : اتق اللّه وعليك بالسداد ، فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن . وعلى الجملة فهو ظاهر بالمزاولة لعلم التفسير انتهى .
وقال ولى اللّه الدهلوىّ في الفوز الكبير : ومن المواضع الصعبة معرفة أسباب النزول .
ووجه الصعوبة فيها خلاف المتقدمين والمتأخرين . والذي يظهر من استقراء كلام الصحابة والتابعين ، أنهم لا يستعملون « نزلت في كذا » لمحض قصة كانت في زمنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وهي سبب نزول الآية . بل ربما يذكرون بعض ما صدقت عليه الآية مما كان في زمنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، أو بعده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ويقولون : « نزلت في كذا » ولا يلزم هناك انطباق جميع القيود ، بل يكفى انطباق أصل الحكم فقط . وقد يقررون حادثة تحققت في تلك الأيام المباركة ، واستنبط صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حكمها من آية ، وتلاها في ذلك الباب ، ويقولون : « نزلت في كذا » وربما يقولون : في هذه الصورة ، فأنزل اللّه قوله كذا ، فكأنه إشارة إلى أنه استنباطه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وإلقاؤها في تلك الساعة بخاطره المبارك أيضا ، نوع من الوحي والنفث في الروع . فلذلك يمكن أن يقال : فأنزلت ، ويمكن أن يعبر في هذه الصورة بتكرار النزول . ويذكر المحدثون في ذيل آيات القرآن كثيرا من الأشياء ليست من قسم سبب النزول في الحقيقة . مثل استشهاد الصحابة في مناظراتهم بآية ، أو تمثيلهم بآية ، أو تلاوته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم آية للاستشهاد في كلامه الشريف ، أو رواية حديث وافق الآية في أصل الغرض ، أو تعيين موضع النزول ، أو تعيين أسماء المذكورين بطريق الإبهام ، أو بطريق التلفظ بكلمة قرآنية ، أو فضل سور وآيات من القرآن ، أو صورة امتثاله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأمر من أوامر القرآن ونحو ذلك ، وليس شئ من هذا في الحقيقة من أسباب النزول ، ولا يشترط إحاطة المفسر بهذه الأشياء ، إنما شرط المفسر أمران :
الأول : ما تعرض له الآيات من القصص ، فلا يتيسر فهم الإيماء بتلك الآيات إلا بمعرفة تلك القصص .
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 375
مساهمون: مركز الثقافة والمعارف القرآنية
ص٣٧٥