سبب النزول لا يخصّص ، إلا طائفة شاذة ادعت التخصيص بها ، ولو أن أسباب النزول كانت كلها متعلقة بآيات عامة لما دخل من ذلك ضر على عمومها ؛ إذ قد أراحنا أئمة الأصول حين قالوا « العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب » ، ولكن أسبابا كثيرة رام رواتها تعيين مراد من تخصيص عام أو تقييد مطلق أو إلجاء إلى مجمل ، فتلك هي التي قد تقف عرضة أمام معاني التفسير قبل التنبيه على ضعفها أو تأويلها . وقد قال الواحدي في أول كتابه في أسباب النزول : « أما اليوم فكل أحد يخترع للآية سببا ، ويختلق إفكا وكذبا ، ملقيا زمامه إلى الجهالة ، غير مفكر في الوعيد » ، وقال : « لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل » ا ه .
إن من أسباب النزول ما ليس المفسر بغنى عن علمه ؛ لأن فيها بيان مجمل من إيضاح خفى وموجز ، ومنها ما يكون وحده تفسيرا . ومنها ما يدل المفسر على طلب الأدلة التي بها تأويل الآية أو نحو ذلك . ففي صحيح البخاري : أن مروان بن الحكم أرسل إلى ابن عباس يقول : « لئن كان كلّ امرئ فرح بما أتى ، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذّبا لنعذّبنّ أجمعون » يشير إلى قوله تعالى :
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« 1 » فأجاب ابن عباس قائلا : إنما دعا النبي اليهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره ، فأروه أنهم قد استحمدوا اليه بما أخبروه عنه فيما سألهم وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ، ثم قرأ ابن عباس :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ . . . لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ .
« 2 »
الآيات . وفي الموطأ عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه أنه قال : قلت لعائشة أم المؤمنين وأنا يومئذ حديث السن : أرأيت قول اللّه تعالى :
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما
« 3 » فما على الرجل شئ ألّا يطوف بهما ، قالت عائشة : كلا ، لو كان كما تقول لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ،
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآية 188 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية 187 - 188 .
( 3 ) سورة البقرة : الآية 158 .