ويوضح هذا المعنى ما روى أبو عبيد عن إبراهيم التيمىّ ، قال : خلا عمر ذات يوم ، فجعل يحدث نفسه : كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد ؟ ! فأرسل إلى ابن عباس فقال :
كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد ، وقبلتها واحدة ؟ ! فقال ابن عباس : يا أمير المؤمنين ! إنّا أنزل القرآن علينا فقرأناه ، وعلمنا فيم نزل . وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيم نزل ، فيكون لهم فيه رأى . فإذا كان لهم فيه رأى اختلفوا ، واقتتلوا . قال :
فزجره عمر وانتهره ! فانصرف ابن عباس . نظر عمر فيما قال ، فعرفه ، فأرسل إليه فقال : أعد علىّ ما قلت . فأعاده عليه ، فعرف عمر قوله وأعجبه . وما قاله صحيح في الاعتبار ، ويتبين بما هو أقرب .
فقد روى ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعا : كيف كان رأى ابن عمر في الحرورية ؟
قال : يراهم شرار خلق اللّه ، إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار ، فجعلوها على المؤمنين . فهذا معنى الرأي الذي نبه ابن عباس عليه ، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل فيه القرآن .
ثم ساق الشاطبىّ نحو ما تقدم عن ابن تيمية مطولا ، وقال في آخر البحث : وهذا شأن أسباب النزول في التعريف بمعانى المنزل ، بحيث لو فقد ذكر السبب ، لم يعرف من المنزل معناه على الخصوص ، دون تطرق الاحتمالات ، وتوجه الإشكالات . وقد قال عليه السّلام : خذوا القرآن من أربعة ، منهم عبد اللّه بن مسعود « 1 » . وقد قال في خطبة خطبها :
واللّه ! لقد علم أصحاب النبىّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنى من أعلمهم بكتاب اللّه . وقال في حديث آخر : والذي لا إله غيره ! ما أنزلت سورة من كتاب اللّه إلا أنا أعلم أين أنزلت ، ولا أنزلت آية من كتاب اللّه إلا وأنا أعلم فيم أنزلت ، ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب اللّه منى ، تبلغه الإبل ، لركبت إليه « 2 » .
وهذا يشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التي يكون العالم بها عالما بالقرآن .
هامش
( 1 ) صحيح البخارىّ في : 66 - كتاب فضائل القرآن ، 8 - باب القراء من أصحاب النبىّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
عن مسروق : ذكر عبد اللّه بن عمرو ، عبد اللّه بن مسعود فقال : لا أزال أحبه . سمعت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : « خذوا القرآن من أربعة : من عبد اللّه بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ ، وأبىّ بن كعب » .
( 2 ) صحيح البخارىّ في الباب السابق :
قال عبد اللّه رضى اللّه عنه : واللّه الذي لا إله غيره ! ما أنزلت سورة من كتاب اللّه إلا وأنا أعلم أين أنزلت . ولا أنزلت آية في كتاب اللّه إلا وأنا أعلم فيم أنزلت . ولو أعلم أحدا أعلم منى بكتاب اللّه ، تبلغه الإبل ، لركبت إليه .