تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
أولا . فمعنى
« إِنِ ارْتَبْتُمْ »
: إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتدّون ، فهذا حكمهن . ومن ذلك قوله تعالى :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
« 1 » فإنا لو تركنا ومدلول اللفظ لاقتضى أن المصلى لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ولا حضرا ، وهو خلاف الإجماع . فلما عرف سبب نزولها علم أنها في نافلة السفر ، أو فيمن صلى بالاجتهاد وبان له الخطأ ، على اختلاف الروايات في ذلك . ومن ذلك قوله :
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ . . .
« 2 » الآية : فإن ظاهر لفظها لا يقتضى أن السعي فرض . وقد ذهب بعضهم إلى عدم فرضيته تمسكا بذلك . وقد ردت عائشة على عروة في فهمه ذلك بسبب نزولها ، وهو أن الصحابة تأثموا من السعي بينهما ، لأنه من عمل الجاهلية ، فنزلت . ومنها رفع توهم الحصر . قال الشافعىّ ما معناه في قوله تعالى :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً . . .
« 3 » الآية : إن الكفار لما حرموا ما أحل اللّه . وكانوا على المضادة والمحادة ، فجاءت الآية مناقضة لغرضهم ، فكأنه قال : لا حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه ، نازلا منزلة من يقول : لا تأكل اليوم حلاوة ، فتقول : لا آكل اليوم إلا الحلاوة ؛ والغرض المضادة ، لا النفي والإثبات على الحقيقة . فكأنه تعالى قال : لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به ، ولم يقصد حل ما وراءه ، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل . قال إمام الحرمين : وهذا في غاية الحسن ، ولولا سبق الشافعىّ إلى ذلك لما كنا
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 115 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 158 . وجاء في صحيح البخارىّ ، في : 65 - كتاب التفسير ، 2 - سورة البقرة ، 21 - باب إن الصفا والمروة من شعائر اللّه . عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال : قلت لعائشة ، زوج النبىّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأنا يومئذ حديث السن : أرأيت قول اللّه تعالى :إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما. فما أرى على أحد شيئا أن لا يطّوّف بهما : فقالت عائشة : كلا . لو كان كما تقول كانت : فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما . إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار ، كانوا يهلون لمناة . وكانت مناة حذو قديد . وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة . فلما جاء الإسلام سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن ذلك فأنزل اللّه :إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما. ( 3 ) سورة الأنعام : الآية 145 .