وكسؤال عائشة عن الحساب اليسير ، فقال : « ذلك العرض » ، وكقصة عدى بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود وغير ذلك مما سألوا عن آحاد منه ، ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون اليه وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا اليه من احكام الظواهر لقصورنا عن مدارك احكام اللغة بغير تعلم ، فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير ومعلوم ان تفسيره بعضه يكون من قبيل الالفاظ الوجيزة وكشف معانيها وبعضه من قبيل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض انتهى .
وقال بعض آخر : علم التفسير عسير يسير ، أما عسره فظاهر من وجوه : أظهرها أنه كلام متكلم لم نصل إلى مراده بالسماع منه ولا أمكن الوصول اليه بخلاف الأمثال والاشعار ونحوها ؛ فان الانسان يمكن علمه به إذا تكلم بأن يسمع منه أو ممن سمع منه ، وأما القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلّا بأن يسمع من الرسول .
أقول : ولذا ورد إنما يعرف القرآن من خوطب به كما عن الباقر عليه السّلام في رواية الكافي باسناده عن زيد الشحام ، قال : دخل قتادة على أبى جعفر عليه السّلام فقال : يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة ، فقال : هكذا يزعمون ، فقال أبو جعفر عليه السّلام : « بلغني أنك تفسير القرآن » قال له قتادة : نعم ، فقال أبو جعفر عليه السّلام : « بعلم تفسّره أم بجهل » قال : لا بل بعلم ، فقال له أبو جعفر عليه السّلام : « فان كنت تفسره فأنت أنت وانا أسألك » قال قتادة : سلني ، قال : « أخبرني عن قول اللّه تعالى في سبأ :
وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ
« 1 » فقال قتادة : ذلك من خرج من بيته بزاد وراحلة وكرى حلال يريد هذا البيت كان آمنا حتى يرجع إلى أهله ، فقال أبو جعفر عليه السّلام : « نشدتك باللّه يا قتادة ، هل تعلم أنه قد يخرج الرجل من بيته بزاد وراحلة وكرى حلال يريد هذا البيت فيقطع عليه الطريق فتذهب نفقته ويضرب مع ذلك ضربه فيها احتياجه » قال قتادة : اللهم نعم ، فقال أبو جعفر عليه السّلام :
« ان كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت وان كنت اخذته من الرجال فقد هلكت وأهلكت ، ويحك يا قتادة ذلك من خرج من بيته بزاد حلال وكرى حلال يؤمّ هذا البيت عارفا بحقنا فهو انا قلبه كما قال اللّه تعالى :
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ
هامش
( 1 ) سورة سبأ : الآية 18 .