تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
أقرب من توجيه عبد الحكيم ، وهو مأخوذ من كلام السيد الجرجاني في شرح المفتاح ، وكلاهما اشتباه ؛ لأن كون القرآن كلام اللّه قد تقرر عند سلف الأمة قبل علم الكلام ، ولا أثر له في التفسير ، وأما معرفة ما يجوز وما يستحيل فكذلك ، ولا يحتاج لعلم الكلام إلا في التوسع في إقامة الأدلة على استحالة بعض المعاني ، وقد أبنت أن ما يحتاج إليه المتوسع لا يصير مادة للتفسير . ولم نعدّ الفقه من مادة علم التفسير كما فعل السيوطي ، لعدم توقف فهم القرآن ، على مسائل الفقه ، فإنّ علم الفقه متأخر عن التفسير وفرع عنه ، وإنما يحتاج المفسر إلى مسائل الفقه ، عند قصد التوسع في تفسيره ، للتوسع في طرق الاستنباط وتفصيل المعاني تشريعا وآدابا وعلوما ، ولذلك لا يكاد يحصر ما يحتاجه المتبحر في ذلك من العلوم ، ويوشك أن يكون المفسر المتوسع محتاجا إلى الإلمام بكل العلوم وهذا المقام هو الذي أشار له البيضاوي بقوله : « لا يليق لتعاطيه ، والتصدي للتكلم فيه ، إلا من برع في العلوم الدينية ، كلها أصولها وفروعها ، وفي الصناعات العربية والفنون الأدبية بأنواعها » . تنبيه : اعلم أنه لا يعدّ من استمداد علم التفسير ، الآثار المروية عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، في تفسير آيات ، ولا ما يروى عن الصحابة في ذلك لأن ذلك من التفسير لا من مدده ، ولا يعد أيضا من استمداد التفسير ما في بعض آي القرآن من معنى يفسر بعضا آخر منها ، لأن ذلك من قبيل حمل بعض الكلام على بعض ، كتخصيص العموم وتقييد المطلق وبيان المجمل وتأويل الظاهر ودلالة الاقتضاء وفحوى الخطاب ولحن الخطاب ، ومفهوم المخالفة . ذكر ابن هشام ، في مغنى اللبيب ، في حرف لا ، عن أبي على الفارسي : أن القرآن كله كالسورة الواحدة ، ولهذا يذكر الشيء في سورة وجوابه في سورة أخرى ، نحو :
وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
« 1 » ، وجوابه :
ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
« 2 » ا ه وهذا كلام لا يحسن إطلاقه ، لأن القرآن قد يحمل بعض آياته على بعض وقد يستقل بعضها عن بعض ، إذ ليس يتعين أن يكون المعنى المقصود في بعض الآيات مقصودا
هامش
( 1 ) سورة الحجر : الآية 6 . ( 2 ) سورة القلم : الآية 2 .