وبذلك يظهر أن القراءة لا تعد تفسيرا من حيث هي طريق في أداء ألفاظ القرآن ، بل من حيث إنها شاهد لغوى فرجعت إلى علم اللغة .
وأما أخبار العرب : فهي من جملة أدبهم وإنما خصصتها بالذكر تنبيها لمن يتوهم أن الاشتغال بها من اللغو فهي يستعان بها على فهم ما أوجزه القرآن في سوقها ؛ لأن القرآن إنما يذكر القصص والأخبار للموعظة والاعتبار ، لا لأن يتحادث بها الناس في الأسمار ، فبمعرفة الأخبار يعرف ما أشارت له الآيات من دقائق المعاني ، فنحو قوله تعالى
وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً
« 1 » ، وقوله :
قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ
« 2 » يتوقف على معرفة أخبارهم عند العرب .
وأما أصول الفقه : فلم يكونوا يعدونه من مادة التفسير ، ولكنهم يذكرون أحكام الأوامر والنواهي والعموم وهي من أصول الفقه ، فتحصّل أن بعضه يكون مادة للتفسير وذلك من جهتين : إحداهما أن علم الأصول قد أودعت فيه مسائل كثيرة هي من طرق استعمال كلام العرب وفهم موارد اللغة ، أهمل التنبيه عليها علماء العربية مثل مسائل الفحوى ومفهوم المخالفة ، وقد عد الغزالي على الأصول من جملة العلوم التي تتعلق بالقرآن وبأحكامه فلا جرم أن يكون مادة للتفسير .
الجهة الثانية : أن علم الأصول يضبط قواعد الاستنباط ويفصح عنها فهو آلة للمفسر في استنباط المعاني الشرعية من آياتها .
وقد عد عبد الحكيم والآلوسي ، أخذا من كلام السكاكى ، في آخر فن البيان الذي تقدم آنفا وما شرحه به شارحاه التفتازاني والجرجاني ، علم الكلام في جملة ما يتوقف عليه علم التفسير ، قال عبد الحكيم : « لتوقف علم التفسير على إثبات كونه تعالى متكلما ، وذلك يحتاج إلى علم الكلام » .
وقال الآلوسي : « لتوقف فهم ما يجوز على اللّه ويستحيل على الكلام » ، يعنى من آيات التشابه في الصفات مثل :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 3 » ، وهذا التوجيه
هامش
( 1 ) سورة النّحل : الآية 92 .
( 2 ) سورة البروج : الآية 4 .
( 3 ) سورة طه : الآية 5 .