تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
وقص علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسنته فيها . فلا بد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم ، وأدوارهم ، ومناشئ اختلاف أحوالهم ، من قوة وضعف . وعز وذل وعلم وجهل ، وإيمان وكفر ، ومن العلم بأحوال العالم الكبير . علوية وسفليه ، ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه . قال الأستاذ الإمام : أنا لا أعقل كيف يمكن لأحد أن يفسر قوله تعالى :
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً . فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
« 1 » الآية - وهو لا يعرف أحوال البشر ، وكيف اتحدوا ، وكيف تفرقوا ؟ وما معنى تلك الواحدة التي كانوا عليها ؟ وهل كانت نافعة أم ضارة ؟ وما ذا كان من آثار بعثة النبيين فيهم ؟ « 2 » . أجمل القرآن . الكلام عن الأمم ، وعن السنن الإلهية ، وعن آياته في السماوات والأرض ، وفي الآفاق والأنفس ، وهو إجمال صادر عمن أحاط بكل شئ علما ، وأمرنا بالنظر والتفكر ، والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا ، ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره . لكنا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده لا بما حواه من علم وحكمة . رابعها - العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن . فيجب على المفسر القائم بهذا الفرض الكفائي أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوة من العرب وغيرهم . لأن القرآن ينادى بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعث به لهدايتهم وإسعادهم . وكيف يفهم المفسر ما قبّحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة ، أو ما يقرب منها إذا لم يكن عارفا بأحوالهم وما كانوا عليه ؟ هل يكتفى من علماء القرآن دعاة الدين والمناضلين عنه بالتقليد . بأن يقولوا تقليدا لغيرهم : إن الناس كانوا على باطل ، وإن القرآن دحض أباطيلهم في الجملة ؟ كلا . وأقول الآن : يروى عن عمر رضى اللّه عنه أنه قال : « إنما تنقض عرى الاسلام عروة عروة : إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية » والمراد أن من نشأ في الإسلام ولم يعرف حال
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 213 . ( 2 ) كتب الأستاذ تفسيرا لهذه الآية ، جاء فيه بما لا يوجد في كتاب . ونشر في الجزء الثاني من مجلد المنار الثامن ، أي مجلد سنة 1323 ويراجع في الجزء الثاني من التفسير .
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 332 | مركز الثقافة والمعارف القرآنية