بوسيلة أنه وسيلة إلى فهم القرآن وأنه مطلوب كطلب ما هو وسيلة بالحقيقة . فإنّ علم العربية أو علم الناسخ والمنسوخ وعلم الأسباب وعلم المكي والمدني وعلم القراءات وعلم أصول الفقه معلوم عند جميع العلماء أنها معينة على فهم القرآن . وأما غير ذلك فقد يعده بعض الناس وسيلة أيضا . ولا يكون كذلك . كما تقدم في حكاية الرازي في جعل علم الهيئة وسيلة إلى فهم قوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ
« 1 » . وزعم ابن رشد الحكيم في كتابه الذي سماه ب ( فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ) أن علوم الفلسفة مطلوبة . إذ لا يفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها .
ولو قال قائل : إن الأمر بالضد مما قال لما بعد في المعارضة . وشاهد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلوم . هل كانوا آخذين فيها أم كانوا تاركين لها أو غافلين عنها ؟ مع القطع بتحققهم بفهم القرآن . يشهد لهم بذلك النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والجمّ الغفير .
فلينظر امرؤ أين يضع قدمه .
وثمّ أنواع أخر يعرفها من زاول هذه الأمور ولا ينبئك مثل خبير . فأبو حامد ممن فتل هذه الأمور خبرة وصرح فيها بالبيان الشافي في مواضع من كتبه » « 2 » .
قال رشيد رضا : « للتفسير مراتب أدناها : أن يبيّن بالإجمال ما يشرب القلب عظمة اللّه وتنزيهه ، ويصرف النفس عن الشر ويجذبها إلى الخير . وهذه هي التي قلنا إنها متيسرة لكل أحد
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
« 3 » .
وأما المرتبة العليا فهي لا تتم إلا بأمور :
أحدها : فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة ، غير مكتف بقول فلان وفهم فلان ، فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد . من ذلك « لفظ » التأويل : اشتهر بمعنى التفسير مطلقا أو على وجه مخصوص ، ولكنه جاء
هامش
( 1 ) سورة ق : الآية 6 .
( 2 ) محاسن التأويل ج 1 ص 142 .
( 3 ) سورة القمر : الآية 17 ، 22 ، 32 و 40 .